يفترض البعض أن الذين يوجهون النقد اللاذع وألوان الهجوم إلى إسرائيل هم العرب وحدهم أو المسلمون فقط. والواقع أن بعض الكُتاب اليهود لا يقلون نشاطاً في هذا المسعى، بما في ذلك الجوانب السياسية والاقتصادية. كان من بين هؤلاء أحد الكتاب اليهود البلغار ويسمى «آربن» Arben في كتاب له بعنوان «إسرائيل». ويرى «آربن» أن بعض كبار الأثرياء والمستثمرين الدوليين سعوا إلى إقامة هذه الدولة، من أجل مضاعفة ثرواتهم فحسب! «وجد الرأسماليون اليهود أمثال البارون هيرشي والبارون روتشيلد في اليهود الذين هاجروا من مختلف دول أوروبا هرباً من الاضطهاد، صيداً ثميناً، إذ وجدوا فيهم يداً عاملة رخيصة فأخذوا يستغلونهم تحت ستار الإنسانية والشفقة، وأنشأوا لهم مستعمرات زراعية في فلسطين والأرجنتين، وعاش اليهود في ظل الاستغلال والاحتكار في حالة لا يُحسدون عليها ومات آلاف منهم في فلسطين». ويضيف «آربن» أن الحركة الصهيونية بدعايتها الواسعة، استطاعت في نهاية القرن التاسع عشر أن تحول جميع يهود العالم إلى فلسطين، وأن تغرر بفقراء اليهود وتنتزعهم من أوطانهم دون نجاح كبير في السنوات الأولى، ففي السنوات ما بين 1911 - 1925 مثلاً، بلغ عد المهاجرين إلى الولايات المتحدة 1.703.000 يهودي، وإلى البلاد الأخرى 340.000 على حين لم يصل إلى فلسطين سوى 76.000 يهودي فقط. ويقول إن الإنجليز أخذوا يشجعون الهجرة إلى فلسطين، ولم تلبث إسرائيل أن أصبحت بعد 1948 مركز إشعاع للنفوذ الأميركي، وأخذت أميركا تقدم لإسرائيل مساعداتها التي جعلت الاقتصاد الإسرائيلي تحت التبعية الأميركية، وصارت الأزمات الاقتصادية الأميركية تنعكس على الاقتصاد الإسرائيلي، «الذي كان يصاب بالالتهاب الرئوي، عندما يصاب الاقتصاد الأميركي بمجرد زكام». المجتمع الإسرائيلي- حسب «آربن» «هو مجتمع الثراء العريض والفقر المدقع». وينقل عن رئيس الشعبة الاقتصادية في الوكالة اليهودية قوله: «إن فساد المجتمع الإسرائيلي يرجع إلى أنه يتكوَّن من فقراء معدمين ومن أثرياء موسرين، فقد اعتادت الوكالة اليهودية أن تهجِّر إلى إسرائيل اليهود الفقراء حتى تستطيع أن تقذف بهم إلى الصحراء وإلى مستعمرات الحدود، وكذلك اعتادت أن تُهجِّر اليهود الأثرياء الذين يستطيعون استثمار أموالهم ويستطيعون العيش من الربا وما يحصلون عليه من فوائد وعائد هذه الأموال». ويحدث هذا بالنسبة لليهود الفقراء الذين لا يتقنون حرفة، يقول «آربن»، أما هؤلاء الفقراء الذين يحترفون صنعة فهم يتبعون الأثرياء في المدن ليعملوا يوماً ويقضوا أياماً بحثاً عن العمل. وعلى أيّة حال فالنتيجة واحدة بالنسبة لفقراء الصحراء وفقراء المدن، فالجوع لازمة حتمية للفريقين. ويضيف أن الباحث الاجتماعي الإسرائيلي «آربيه»، نشر عدة مقالات في الصحف الإسرائيلية سجل فيها أن الجوع قد دفع آلاف الآباء إلى الهرب من أسرهم لعجزهم عن إعالتها، وكذلك دفع الجوع بعشرات الآلاف من الأبناء إلى أن يهيموا على وجوههم بحثاً عن شيء يدفع عنهم غائلة الجوع. ويقول «آربن» في أحد فصول كتابه عن إسرائيل أول ما ظهرت: «في أحد شوارع «بتاح تكفا» عُلق إعلان متواضع كُتب على قطعة من الورق جاء فيه: «صيام عن الطعام.. خمسة أطفال للبيع». ويقول: «إن من بين آفات المجتمع الإسرائيلي آفة التضخم، وآفة الغلاء. ولقد بلغ من سرعة ارتفاع تكاليف المعيشة أن اضطرت الحكومة إلى تعديل نسبة علاوة غلاء المعيشة كل ثلاثة أشهر، وهو أمر لا مثيل له في جميع أقطار العالم. ولكن الحكومة لم تستطع ملاحقة ارتفاع تكاليف المعيشة المطرد، فاضطرت إلى جعل هذا التعديل مرة كل ستة أشهر، وكان ذلك في عام 1957». ومن الجوانب التي تستوقف القارئ في تطور الاقتصاد الإسرائيلي دور التضخم هذا، حيث يقول آربن: «إن التضخم يقتل الاقتصاد الإسرائيلي، وقد فقدت العملة الإسرائيلية أكثر من 87% من قيمتها الأصلية، وارتفعت تكاليف المعيشة إلى حد خيالي، فقد بلغت في المتوسط 530%، ومن المواد التموينية الرئيسية ما ارتفع سعره بنسبة 2300% مثل الأرز وبنسبة 100% مثل الزيت، وبنسبة 770% مثل الكاكاو». ماذا عن رواتب العمال في تلك المرحلة؟ لقد نشر المكتب المركزي الإحصائي جدولاً تبين منه أن 75% من مجموع العمال يتقاضون أجراً أقل من 200 ليرة شهرياً، وهذا المبلغ دون الحد الأدنى لتكاليف المعيشة بكثير، وهنالك باقي العمال ويتقاضون 160 ليرة، وهو مبلغ لا يكاد يبقي على العامل حياته ونفسه، هذا بغض النظر عن جمهرة العاطلين وجيش أنصاف العمال وهم الذين يعملون ما بين 12 - 15 يوماً في الشهر. (في داخل إسرائيل، علي محمد علي، القاهرة، 1963، ص 196 - 199). درس الاقتصادي الأميركي «ألكْس روبنر Rubnar في كتاب بعنوان «الاقتصاد الإسرائيلي» The Economy of Israel اقتصاد هذه الدولة في سنوات التأسيس العشر ما بين 1948 - 1958. ففي عام 1948 تركت حكومة الانتداب جميع المرافق في حالة فوضى عامة، ورفضت الموافقة على منح أذونات الاستيراد وإمداد البلاد بالمواد الغذائية، وقطعت اتصالات البريد والمواصلات وأمرت السفن البريطانية بعدم الذهاب إلى حيفا كما تم إغلاق معمل تكرير البترول هناك. وفي العام نفسه أُبعدت فلسطين من الكتلة الاسترلينية، وبهذا تجمدت الأرصدة الفلسطينية الاسترلينية، كما طبعت إسرائيل أوراق العملة الجديدة، وحذت إسرائيل حذو إنجلترا في العام التالي فخفضت عملتها 0.353 وفي سنة 1951 أصبحت أسعار السوق السوداء هي المسيطرة على السوق، وباتت ثروات إسرائيل المادية في أدنى مستوى لها، وتخلت وزارة المالية عن كل ادعاء في المحافظة على سعر الصرف الرسمي، واشتركت بوساطة البعض في السوق السوداء، كما شجعت سياسة استيراد البضائع الهامة بدون دفع، وذهب «بن غوريون» إلى الولايات المتحدة لبيع سندات الحكومة الإسرائيلية وحصل في نهاية 1951 على 74 مليون دولار. كانت سنة 1952، يقول «ربنر» فترة رخاء نسبي في اقتصاد إسرائيل، وارتفع المستوى المعيشي عن أي وقت مضى خلال العشر سنوات. وفي مايو من العام نفسه استقال كل من أمين صندوق خزانة الوكالة اليهودية منذ 1923 و«ديفيد هورفنز» وزير المالية منذ قيام إسرائيل لأنهما لم يخضعا لأوامر رئيس الوزراء بتخصيص نسبة من العملة الصعبة لحاجات الجيش، وحل محلهما «ليفي اشكول» الذي أصبح وزيراً للمالية منذ ذلك الوقت، و«بنحاس سافير» الذي أصبح وزيراً للتجارة والصناعة. وفي سنة 1953 بلغت المساعدة الأميركية، كما في الأعوام السابقة 70 مليون دولار، كما جاءت أول مبالغ التعويضات الألمانية إلى إسرائيل فقد وقعت ألمانيا الغربية في العام الماضي، 1952، اتفاقية التعويض التي تتسلم بموجبها إسرائيل عملة ألمانية وبضائع تبلغ قيمتها 814 مليون دولار خلال الاثنى عشر عاماً القادمة. بدأت في سنة 1954 فترة من الاستقرار بسبب زيادة كبيرة في المساعدات والقروض، وأصبحت الدولة في مركز يعطيها الحق في الانضمام إلى صندوق النقد الدولي، الذي ساهمت فيه بمبلغ 4.5 مليون دولار، وخفّت في إسرائيل أزمة العملات الأجنبية وزاد الدخل من العملات الأجنبية من جراء الصادرات التجارية سنة 1954 أكثر من السنوات السابقة. وفي بداية سنة 1956 بلغت التعويضات الفردية ليهود ألمانيا 60 مليون جنيه سنوياً، وانزعج وزراء الاقتصاد في إسرائيل في تلك الآونة من بيع كثير من المشروعات الصناعية الكبيرة إلى «الهستدروت»، أو نقابة العمال الإسرائيلية، لئلا يؤدي هذا التوسع في إمبراطورية الهستدروت إلى نتيجة مضادة لحملات المساعدات في أميركا، كما شهدت هذه السنة أكبر عجز في تاريخ الميزان التجاري بلغ 357 مليون دولار، وكان ذلك نتيجة لحرب سيناء. وفي عام 1957 تم افتتاح ميناء «إيلات»، وبذلت الحكومة محاولات فاشلة لتعمير صحراء النقب، كما تم الإعلان عن أن المشروعات التي ستجري في المدن الحديثة ستتلقى مساعدات بشكل قروض تساوي 80% من رأس المال المستثمر.