في إطار الجهود المبذولة لمكافحة الفقر المدقع، يواجه العالم لغزاً محيراً. فعند وضع الأهداف الإنمائية للألفية، كما حددتها منظمة الأمم المتحدة في عام 2000، كانت هذه الأهداف تشمل كلًا من التعليم والصحة. وبالنسبة لأهداف الصحة - ومع تقديم الأموال اللازمة لتحقيقها- فقد أحرزت تقدماً ملحوظاً. غير أن الجهود المبذولة لتحقيق أهداف الألفية في مجال التعليم قد ضعفت. وعندما تم وضع الأهداف، قمت بالعمل بشكل وثيق مع الأمين العام للأمم المتحدة في حينه «كوفي عنان»، للمساعدة على إطلاق الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا. ورغم المعارضة المتوقعة من بعض المناوئين، فإن الصندوق تلقى مليارات الدولارات، كما حدث مع برامج الولايات المتحدة الجديدة مثل خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز (بيبفار) ومبادرته لمكافحة الملاريا. وبعد ما يقرب من 15 عاماً، عرفنا أن أداء هذه البرامج كان قوياً. وكانت المساعدات يتم توظيفها على النحو المأمول، وأصبحت الأمراض تحت السيطرة. غير أن تجربة إنشاء صندوق عالمي مماثل خاص بالتعليم كانت مستحيلة، إذ لم تحظَ بتعبئة النوع نفسه من اهتمام المانحين كما كانت الحال مع مكافحة الأمراض. ورغم أن المساعدات المتواضعة شجعت ملايين الأطفال على الالتحاق بالمدارس، فإن هذه المدارس كانت تفتقر للمواد الأساسية، والمعلمين المدربين، وحتى المياه الصالحة للشرب. وظل ملايين الأطفال الآخرون بلا تعليم. فلماذا هذا الفرق في التعامل مع أهداف الألفية في مجالي الصحة والتعليم؟ ربما لأن المخاطر المتعلقة بالصحة تعتبر مسألة حياة أو موت، وهي أكثر مأساوية. وربما لأن صناعة الأدوية ساعدت على رفع مستوى الاستجابة في مجال الصحة، بينما كان القطاع الخاص غائباً بشكل غريب عن التعليم على مستوى العالم. وربما أيضاً لأن قادة الدول فشلوا في حشد الجهد اللازم. لكن هناك شيئاً عبثياً ومقلقاً للغاية فيما يتعلق بعشرات ملايين الأطفال الفقراء الذين لم يستطيعوا الالتحاق بالمدرسة، الأمر الذي يحدث غالباً في مناطق النزاع، وذلك بسبب الافتقار للتمويل والإمكانات المادية. فعندما نعجز عن تعليم طفل فقير اليوم، قد نجده فيما بعد وقد أصبح عضواً في إحدى المنظمات الإرهابية، مثل «القاعدة» أو «بوكو حرام». غير أنه يمكننا البدء في تغيير ذلك، ففي هذه الأيام تجتمع الحكومات والمنظمات في بروكسل لتجديد التزاماتها المالية تجاه التعليم الابتدائي لأفقر أطفال العالم. وتعد «الشراكة العالمية من أجل التعليم» إحدى أهم المبادرات العالمية المخصصة للأطفال الذين لن يتعلموا القراءة والكتابة والحساب، ما لم يخطُ العالم خطوات للأمام لمساعدتهم. وفي إطار الجولة الحالية لتجديد الموارد، فإن برنامج «الشراكة العالمية من أجل التعليم» يطالب بجمع 3.5 مليار دولار خلال أربع سنوات، أو ما يقرب من دولار سنوياً من كل مواطن في العالم المتقدم. من الصعب تخيل استثمار أفضل من ذلك. وهي مسألة سهلة للغاية، لكنها ليست كذلك. فاعتباراً من اليوم، ليس هناك ما يضمن استجابة الولايات المتحدة لدعوة المساهمة بـ250 مليون دولار فقط على مدى عامين. فهل نحن بحاجة حقاً للتوسل لواشنطن لتقديم 125 مليون دولار سنوياً، أي ما يعادل إنفاق البنتاجون لساعتين فقط؟ وكما هي الحال مع الصحة العامة، فإن تبرعات التعليم من السهل أن تصب من المصدر إلى الاستخدام: مثل الإنفاق على الإمدادات، وتدريب المعلمين، وإعداد البنية التحتية كالفصول الدراسية والمياه الجارية والصرف الصحي. ويطالب برنامج «الشراكة العالمية من أجل التعليم» الدول المتلقية بإعداد الخطط وتحديد الأهداف والمعالم. وكل ما هو مطلوب توفير إدارة جيدة وكريمة نيابة عن الأطفال. غير أن الجولة الحالية لتجديد الموارد يجب أن ترنو لما هو أكثر من ذلك. فنحن بحاجة إلى جهود عالمية لتوفير التعليم اللائق حقاً بالقرن الـ21. كما أننا نجاهد حالياً لتقديم التعليم الأساسي لحوالي 60 مليون طفل. لكن يجب أن نهدف أيضاً لضمان وصول ملايين الطلاب إلى المرحلة الثانوية. وفي الواقع، يتعين تكريس الجهود بشكل خاص نحو تعليم الفتيات، وضمان إتاحة الفرص أمامهن لإتمام تعليمهن واكتساب المهارات التي تتيح لهن دخول سوق العمل بدلًا من إجبارهن على الزواج المبكر. إن تعليم الفتيات يحدث تحولًا في المجتمعات، وتمتد فوائده إلى الجيل التالي، من الأمهات إلى الأبناء. إنني أقوم، مع عدد من زملائي، بانتهاج مثل هذا المسار بالتعاون مع شركة «إريكسون» الرائدة في مجال الاتصالات، حيث نعكف على تنفيذ مشروع بعنوان «اتصل لتتعلم». ويهدف هذا المشروع إلى استخدام تكنولوجيا المعلومات للمساعدة على تمكين الفتيات في القرى الفقيرة في أفريقيا لإتمام تعليمهن الثانوي. كما أن الفصول الدراسية للمشروع مجهزة بأدوات تعليمية عبر الإنترنت والتي يمكنها تقديم عالم من المعلومات في المدارس التي لديها عدد قليل، إن وجد، من الكتب. وكما تخطت المجتمعات الريفية عقبة البنوك من خلال السداد عبر الهاتف النقال، فإن هذه المجتمعات يمكنها كذلك استخدام التكنولوجيا لتحقق قفزة في مجال التعليم. وبالطبع، فإننا بحاجة لتوسيع نطاق برنامج «اتصل لتتعلم» والمبادرات ذات الصلة لتصل إلى مئات الملايين من الأطفال وليس فقط بضعة آلاف منهم. ولتحقيق ذلك، فنحن بحاجة لكبريات شركات الاتصالات، وعمالقة الشبكات الاجتماعية، والحكومات الوطنية، والجهات المانحة الخاصة، والكثير غيرها، حيث تقوم كل هذه الجهات بتجميع مواردها في صندوق عالمي خلاق ومرن للتعليم. وهذا هو الهدف من اجتماع بروكسل المقرر عقده الأسبوع الجاري. جيفري ساكس مدير معهد الأرض بجامعة كولومبيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»