كان للنجاح المفاجئ والاختراق المباغت الذي حققه تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، باستيلائه على مدن رئيسة في شمال العراق، مثل الموصل وتكريت، وتمدده إلى المناطق الغربية، حيث محافظة الأنبار الشاسعة، بل وتهديده للعاصمة بغداد.. وقعٌ كبير على إدارة أوباما التي لم تخفِ قلقها المتزايد من الأحداث والتطورات المتلاحقة في بلاد الرافدين. فرغم التفوق العددي الكبير للجيش العراقي وتوفره على أسلحة ومعدات ثقيلة ومتطورة تفتقدها «داعش»، إلا أنه انهار سريعاً خلال المواجهة مولياً الأدبار أمام تقدم المسلحين، وهو الأمر الذي فاقم من مخاوف الإدارة الأميركية بسبب المكاسب التي حققها التنظيم الإرهابي، ليس فقط في العراق، بل أيضاً في مناطق شاسعة من سوريا، ما يعني أن الخطر آخذ في الانتشار. والأخطر من ذلك أن الجيش العراقي المندحر استفاد طيلة السنوات الماضية من تدريب أميركي. ورغم هذه الأزمة الخطيرة التي خلطت الأوراق في العراق، جاءت ردة فعل أوباما متوازنة ومتريثة، وتنطوي على قدر كبير من الحرص والحذر، فهو أولا سارع لإرسال 250 من عناصر الأمن إلى بغداد لحماية السفارة الأميركية والعاملين بها، ثم أمر بنشر 300 جندي من القوات الخاصة لغرضين اثنين، أولاً، العمل مع الحكومة العراقية ومساعدتها في وضع خطط استراتيجية والتصدي لتنظيم «داعش»، مع ما يتطلبه ذلك من تقاسم المعلومات الاستخباراتية، وثانياً، لجمع معلومات وافية حول الوضع الميداني في العراق من أجل تخطيط عسكري أفضل. ثم إن أوباما في خطوته التالية بعد نشر قوات محدودة، أوضح على نحو قاطع بأن الولايات المتحدة لن ترسل قوات مقاتلة للعراق للتعامل مع الإشكال القائم، ومع أن بعض خصومه السياسيين في الداخل انبروا لانتقاده لعدم انخراطه عسكرياً في الصراع، وامتناعه عن التدخل المباشر، إلا أن أوباما قاوم كل الضغوط، لاسيما أن الرأي العام الأميركي لن يقبل عودة أخرى للعراق، ما يعني أن أوباما دخل في عملية موازنة دقيقة بين الضغوط الداخلية والأولويات الخارجية، موضحاً أنه رغم معارضة الولايات المتحدة للإرهاب في الدول الأجنبية، إلا أنها لن ترسل قواتها «كلما ظهر خطر الإرهاب في إحدى البلدان»، قائلاً إنه سيتبع بدلاً من ذلك «استراتيجية محددة وأكثر تركيزاً في أهدافها»، تقوم على الشراكة مع الحكومات الأجنبية لمساعدة جيوشها وقوات إنفاذ القانون لديها على القيام بمهامها على أكمل وجه، مؤكداً في الوقت نفسه أن التدخل العسكري الوحيد الذي يمكن تصوره هو توجيه ضربات محددة، وفقط عندما يكون ذلك ضرورياً ومرتبطاً بنتائج ملموسة على الأرض. لكن، وفيما عدا الاستبعاد التام للتدخل العسكري في العراق، أصرّ أوباما على توجيه رسالة واضحة لرئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي، مفادها أن الإدارة الأميركية ترفض بشدة أي هيمنة لحكومة شيعية على مقاليد الأمور، بل تريد من حكومة المالكي أن تعمل على استيعاب جميع الأطياف. فقد أدرك أوباما أن أحد الأسباب الرئيسة وراء تفجر الوضح ونجاح تنظيم «داعش» في العراق، هو سياسة تهميش السنّة وإقصائهم التي اتبعتها حكومة المالكي، والطريقة غير اللائقة التي تعامل بها مع السنة ومصالحهم. والحقيقة أن الأمر لم يكن دائماً على هذا المنوال، فعندما كانت القوات الأميركية متمركزة في العراق قبل انسحابها، سعت الولايات المتحدة لاستيعاب السنة في العملية السياسية، وتوقعت الولايات المتحدة لدى مغادرتها أن حكومة المالكي ستواصل النهج ذاته، لكن ما حصل كان العكس، حيث تجاهل المالكي التفاهمات المبرمة مع المكونات السنّية، وأبدى تحيزاً سافراً في سياساته لمصلحة الشيعة على حساب المصالح السنية والكردية. ورغم المطالب الأميركية للمالكي بضرورة إدماج السنّة وعدم تهميشهم، إلا أنه صم أذنيه وأوغل في التهميش. واليوم قفز موضوع سياسة المالكي مجدداً إلى الواجهة وطفا على السطح مع التطورات الأخيرة. ولأن حل الأزمة العراقية يظل سياسياً بامتياز، فقد أوضح أوباما في خطوة أخرى أنه إذا لم يغير المالكي سياساته تجاه مكونات العراق الأخرى، فلا مناص من تغييره، وهو انقلاب حقيقي في السياسة الأميركية تجاه العراق، والتي وقفت إلى جانب المالكي وساندته في الوصول إلى السلطة، وإن كانت الرسالة الأميركية جاءت بطريقة غير مباشرة تفادياً للإحراج. فعندما أعلن أوباما عن إرسال 300 من عناصر القوات الخاصة للعراق، كانت كلمات واضحة بأن على المالكي التواصل مع السنة والأكراد، كما قال إنه يتعين على العراقيين «تجاوز حالة انعدام الثقة، والانقسامات الطائفية العميقة، وفي أحيان أخرى تجاوز الانتهازية السياسية»، فيما يعد عتاباً صريحاً للمالكي ودعوةً مباشرةً لتغيير سياسته التي يعتقد أوباما أنها قادت إلى الوضع الراهن. ومع أن أوباما لم يذهب إلى حد التصريح بضرورة رحيل المالكي مباشرة، فإنه أتبع تصريحاته بإرسال وزير خارجيته، جون كيري، إلى بغداد لحث المالكي على الانفتاح على السنّة والأكراد، وهي الرسالة ذاتها التي أوصلها مسؤولون أميركيون آخرون وعلى رأسهم السفير الأميركي في بغداد، روبرت بيكروفت. بيد أن مسألة استبدال المالكي بسياسي آخر تنطوي على الكثير من الحساسية والتعقيد، إذ لا تريد إدارة أوباما الظهور بمظهر المتدخل في شؤون العراق والطرف الذي يختار سياسييه، فضلاً عن التعقيدات السياسية الأخرى المرتبطة بفوز حزب المالكي بالعدد الأكبر من المقاعد البرلمانية، وإن لم يحصل على الغالبية، ما يفتح إمكانية ظهور تكتل جديد لا يضم المالكي في حال توافقت القوى السياسية على ذلك. ولعل المكالمة الهاتفية التي أجراها نائب الرئيس، جون بايدن، مع رئيس البرلمان العراقي، أسامة النجيفي، قبل أيام خير دليل على إمكانية طرح استبدال المالكي. وأخيراً هناك إيران التي تراقبها إدارة أوباما بحذر بالغ، باعتبارها جانباً مهماً يتعين النظر إليه أثناء بلورة رد أميركي مناسب حيال الأزمة العراقية. فأوباما يعرف أن إيران قد تتدخل لدعم المالكي ومنع سقوطه، وإن كان قد أكد معارضته الشديدة لأي تدخل إيراني في الشؤون العراقية. لكن يبدو أن أميركا تريد من ضغطها الدبلوماسي على الساسة العراقيين الوصول إلى عراق مستقر وقادر على مواجهة الإرهاب. هذه القدرة تعتمد بدرجة كبيرة على القرارات السياسة التي يتخذها الساسة العراقيون أنفسهم، لذا لم يتردد أوباما، في معرض تفاعله مع الأزمة العراقية، في توجيه رسالة صريحة للمالكي يقوله فيها إن «العراق لن يظل متماسكاً إلا إذا تم احترام مصالح جميع الأطراف، شيعة وسنة وأكراداً».