شاءت المصادفات أن يتواكب تنظيم شعبة التوجيه المعنوي في القيادة العامة للقوات المسلحة في الدولة ندوة «الخدمة الوطنية وتعزيز الهوية» مع تفجر الأحداث السياسية في المنطقة، والتي كشفت عن غياب أو «ضبابية» مفهوم المواطنة لدى بعض أبناء الشعوب العربية. أكثر من دولة عربية تشهد اليوم حروباً داخلية، ويحمل أبناؤها السلاح في وجه بعضهم بعضاً، وتزداد المشكلة عمقاً حين يكون أحد أطراف هذا الصراع قيادات سياسية في تلك الدول، وربما كان العراق وسوريا أفضل مثالين في هذه الحالة. لو تتبعنا تفاصيل الندوة لوجدناها أساساً تناقش وضعاً محلياً متعلقاً بدولة الإمارات العربية المتحدة على اعتبار أنها تحاول مناقشة الموضوع بأكثر من رؤية، بهدف تحسين الاستفادة من جميع الرؤى. ولعل هذا وضح من اختيار المتحدثين في الندوة والذين أداروا نقاشاتها، لكن التطرق إلى تعميق بعض «القيم الوطنية»، من ولاء للوطن والتضحية من أجله، ينبه إلى مشكلة باتت منتشرة تقريباً في كل من الدول العربية التي تشهد حالة من الفوضى، عندما يقدم سياسيوها المصالح الطائفية أو الشخصية عن حساب مصلحة الوطن. وبعبارة أوضح، فالأمر هنا يشير إلى أن دولة الإمارات، ومنذ بداية الفوضى الأمنية والسياسية في المنطقة، ترفض أن تكون «شاهد زور» على تخريب العالم العربي، وتقتيل شعوبه من خلال بعض السياسات الطائشة. وقد أعلنت موقفها واضحاً من خلال العمل على استتباب الاستقرار، لاسيما في مصر التي تعد دولة مركزية في المنطقة. لا شك في أن إعلان دولة الإمارات إقرار الخدمة الوطنية ناتج عن استقراء قيادتها للأسباب الحقيقية لما يحدث في المنطقة، وإيماناً منها بأن الانتماء لابد أن يكون للوطن وليس للأفراد، وأن اختيارات الشعوب لابد أن تحترم. وبحسب المراقبين، فإن الجيش المصري، ومعه الجيش التونسي في بداية «الربيع العربي»، هما الجيشان الوحيدان اللذان استطاعا أن يعمقا الروح الوطنية لدى أبناء شعبيهما، لذا فإن الدولتين شهدتا الاستقرار الأكثر، وفي مقابل ذلك، أسهم كل من الجيش السوري والليبي بشكل واضح في ضياع مفهوم الدولة الوطنية وتهديد كيانها السياسي. والأمر نفسه يتكرر اليوم في المشهد العراقي الذي ينبئ باحتمال انتشار الفوضى في المنطقة كلها، لأن الخوف من تمدد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، يزيد احتمالات توسع هذه الحالة خارج العراق. ولاشك في أن المتسبب الأول فيما يحدث هو السياسات الطائفية، وعدم النظر إلى الوطن على أنه مظلة الجميع. من عادة دولة الإمارات على امتداد تاريخها السياسي أن تبادر عربياً إلى تقديم نماذج تنموية ناجحة، وأن تنظر إلى القضايا السياسية والأمنية التي تواجهها الدول العربية بطريقة مختلفة. وعادتها أيضاً أن تكون رؤيتها للأمور مختلفة عن «الفكر السياسي العربي». ولو أمعنّا النظر لوجدنا أن رؤيتها تتميز بالرغبة في استمرار حالة البناء والتنمية، وإشراك أبناء هذا الوطن في البناء من خلال تقديم رؤيتهم في القرارات الاستراتيجية. وأعتقد أن مسألة استضافة كوكبة سياسية وأكاديمية وعسكرية لتقديم تلك الرؤية تصبّ في هذا الإطار. إن خلاصة ما توصلت إليه الندوة التي عقدت ليوم واحد في نادي ضباط القوات المسلحة، هو ضرورة ربط المواطن بالدولة، وهي -وإن كانت فكرة إماراتية- فإنها قابلة للتطبيق في كل الدول العربية، شأنها في ذلك شأن كل النماذج التنموية الإماراتية الناجحة. وتبدو الفكرة بسيطة للوهلة الأولى، لكن لو تتبعنا ما يحدث على الأرض العربية، فسنجد أن هذا هو الذي يفتقده المواطن العربي. الجميع يعمل اليوم على قتل الجميع، وهناك من يعمل على تدمير الأوطان من دون تفريق بين الخلاف على مشروع أو موقف سياسي وبين الدولة التي تظل الجميع. وقد مررنا عربياً بمشاريع سياسية تتعدى الحدود الوطنية للدول، منها القومية ومنها الدينية، والمحصلة كانت حالة الفوضى. كل التجارب السياسية العالمية الناجحة تقوم على الدولة الوطنية، وعلى انتماء جميع مواطنيها إليها قبل غيرها، وليس إلى أفكار سياسية، أو انتماءات دينية، الأفكار حق للجميع، لكن السلوكيات لابدّ أن تكون لمصلحة الوطن. هذا ما تسعى إليه الخدمة الوطنية في دولة الإمارات خاصة، وإن التقاء أبناء الشعب الواحد على أرض الواقع أمر مهم، لأن العالم الافتراضي أصبح فيه الكثير من الشوائب التي يمكن أن تخرب العقول. التجربة الاتحادية في الإمارات نموذج يحتذى بشهادة الجميع، والتجربة التنموية يحاول الجميع استنساخها في الإقليم وفي العالم، وهناك الكثير من التجارب التي تخاطب عقل الإنسان العربي وتلبي طموحاته، وتجعله فخوراً بدولة الإمارات العربية المتحدة. هذه المرة تجربة الخدمة الوطنية تجربة ستكون نموذجاً، لسببين: أولهما، أن الدول المتقدمة كلها تقريباً تطبقها، بما في ذلك الدول الغنية، مثل فنلندا التي كانت تجربتها محل نقاش في الندوة. والسبب الثاني، أنها حاجة عربية حقيقية خاصة، في ظل انتشار الكثير من الانتماءات الحزبية والسياسية. دولة الإمارات العربية المتحدة ترفض الكثير مما يتم في البلاد العربية، وتقدم فكرة باعتبارها حلاً عملياً لتشكيل الوعي الوطني، من خلال مشروع الخدمة الوطنية. إنها مرحلة في غاية الخطورة حين يدمر الناس أوطانهم، ويغيب الاستماع إلى مطالب الشعب حتى لو تقسم البلد كما يحدث في العراق. وحيث تغيب التهدئة عن سوريا، حتى لو أُفني الشعب السوري كله، وحيث ولا رغبة في استقرار اليمن حتى ولو تهدمت الوحدة فيه. ومن الإمارات جاءت المبادرة بأن المسألة تحتاج إلى فهم أعمق لحب الأوطان بطريقة عملية، لهذا جاءت ردود فعل الشارع الإماراتي مرحبةً ومتفقةً مع القرار السياسي في حب الإمارات. كل ما تريد الإمارات قوله الآن للعرب هو أنها لا تريد أن تتكرر المشاهد المنتشرة في أغلب الدول العربية التي تنهي الكثير من مقدرات الشعوب بفعل أبنائها. والواقع أن الكثير من السياسيين العرب في الوقت الحالي لا يعرفون كيفية الخروج من أزمات وطنية بسبب عدم وضوح الأولويات لديهم، فهم لم يحسموا ولاءهم: للوطن أم للمصالح الطائفية!