تلقيتُ دعوة من مركز «كارنيجي» للشرق الأوسط منذ شهر تقريباً للمشاركة في إدارة حوار بعد تقديم مداخلة حول النهضة العربية والإصلاح المنشود. وقد استجبت لهذه الدعوة الكريمة، التي عقدت في مدينة بيروت لبنان بتاريخ السابع عشر يونيو الجاري. ولما كان الأمر يتصل بالملف الثقافي على مدى زمني ليس قصيراً، فقد تعين علينا وضع هذا الملف في علاقته الوثيقة مع الملف السياسي، في ملابساته وتحولاته الكثيرة والعميقة. لقد غابت سوريا أو غيبت عن السياسة، واندلعت بعد ذلك حركات عسكرية انقلابية، وانتشرت بعدها الاعتقالات والسجون، وظهرت جدلية السلطة والثقافة في صيغة الاستئثار بالرأي، وتضييق الحياة الثقافية والسياسية في سياق نظام الحزب الشمولي الواحد، ثم في سياق الدولة الأمنية. ولقد قدم شكسبير في أعماله المسرحية أفكاراً هائلة في أهميتها، خصوصاً منها في مسرحيته (يوليوس قيصر). ها هنا نواجه فكرة ذات دلالة وأهمية على صعيد المسألة السياثقافية، وهي ما نصطلح عليه ب «جدلية السلطة والثقافة». فهذه الأخيرة تفصح بوضوح قاس عن محاولة السلطة السياسية الأحادية الجانب (الاستبدادية) إقصاء الثقافة من حياة الناس، أو العمل على تأسيس ثقافة تكرس كل ما يسهم في خنق أفكار الحرية والاستقلالية وأفكار الدفاع عن حقوق الإنسان: لقد أعلن القيصر «يوليوس» لصديقه أنطونيوس الغارق في فساده الأخلاقي والمالي وغيرهما، بأنه (أي ذاك المذكور) هو الأحبّ إلى عقله وقلبه وصحبته، أما ذاك «بروتوس» فهو خطر عليه، على القيصر، لأنه يقرأ ويمحص ما يقرأ ويدقق ما يقرأه، حتى لا يقع ضحية أفكار سيئة فاسدة تستفيد منها السلطة القائدة، يقول القيصر معلناً أن أولئك الذين يدققون ويمحصون فيما يقرؤون، يريدون أن يوظفوا ما يقرؤونه في خدمة اللصوص والمارقين والمرتزقة. نلاحظ من ذلك المشهد الطريف أن أمثال «بروتوس» يقرؤون ويسهرون الليالي الطويلة، للوصول إلى ما يرون أنه مهم للبشرية. لقد كان ذلك بمثابة فعل باتجاه التنوير الثقافي، والتطوير الذاتي، وخدمة من هم بحاجة إلى تعميم الثقافة في أوساطهم وأوساط أمثالهم هنا وهناك. ولنضع في الحسبان أن حضور الثقافة والمثقفين في العالم العربي راهناً ربما نزل إلى مستوى خطير، وذلك على صعيدي الأمية الأبجدية والأمية الثقافية. فمحور الثقافة المطروح في تقرير كارنيجي إذا أريد له أن يصل إلى المجال الحواري المثمر من الضروري أن يوضع مع محور السياسة جنباً إلى جنب، فتكوين مؤسسات جادة لمعالجة الثقافة والأمية والتخلف الثقافي (والديني) التنويري، يبرز هنا بمثابته واحدة من النقاط الحاسمة في الإصلاح الثقافي، ومن ثم في المشروع العربي الحضاري. ونلاحظ أن ذلك كله ينبغي ربطه بملف الإصلاح الديني بهدف تحرير الخيارات الحياتية التي تستند إليها مشاريع البحوث والدراسات اللازمة، لنقض المحاور الخطيرة في المشروع الحضاري - الثقافي العربي، من أمثال محاور المرأة وكفاحها من أجل تحررها واستقلالها وإيصالها إلى مستوى المواطن الحر فكراً وعملاً، وذلك في نطاق ذلك المشروع، أما المهم الحاسم ها هنا فيبرز في المقولة الأكثر أهمية في المجتمعات العربية، فيتمثل في المجتمع المدني والدولة المؤسساتية والقضاء الحر واستقلال السلطات، وسيادة القانون.