خلال الأسابيع القليلة الماضية، قضيت بعض الوقت في عدد من المراكز التابعة للجيش الأميركي أتحدث إلى كثير من الضباط وقليل من الجنرالات، وسألت كثيراً منهم في الأيام الأخيرة عن آرائهم إزاء الأحداث في الشرق الأوسط، وأدهشتني ردودهم. وقد كان السمت العام لهؤلاء الضباط، الذين كانوا يتحدثون بصفة شخصية، هو الحزن وليس الغضب، فكثير من هؤلاء العسكريين أحبوا الضباط العراقيين الذين حظوا بتدريبهم والإشراف عليهم. وكونوا علاقات صداقة حقيقية. وأوضحوا أن جزءاً كبيراً من الضباط العراقيين كانوا مثقفين وأصحاب توجه علماني، وكانت لديهم أسر وحياة مستقرة. وبالطبع، كانت الكفاءة العسكرية للقوة الإجمالية ضعيفة، لكن الضباط المتميزين كانوا شغوفين بالتعلم ويثمنون رغبة زملائهم الأميركيين في المخاطرة بأنفسهم من أجل بسط الأمن في العراق. وأشارت الصور التليفزيونية المحزنة التي أظهر الجيش العراقي الذي عملوا معه يتشرذم عند أول مواجهة مع «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) إلى أن الحياة المهنية لبعض هؤلاء الضباط ممن خاضوا الحرب العراقية قد ضاعت سدى. وكان الأكثر إزعاجاً هو اعتقاد أن بعض تضحيات الجنود الأميركيين الذين قتلوا أو أصبحوا عاجزين ذهبت أدراج الرياح. والمشكلة لم تكن أن العراقيين كانوا جبناء، فكثير منهم برهنوا على شجاعتهم في المعارك أثناء وجود الأميركيين. ولكن عند العمل بمفردهم، لم تكن للعراقيين القدرة الفعلية على تشغيل الأجهزة المعقدة التي تستخدم في الحرب الحديثة. وقد افتقروا إلى المهارات التقنية اللازمة لتحريك الوحدات الكبيرة، وتشغيل أسلحتهم ذات الكفاءة التدميرية العالية بصورة ملائمة، وتفسير المعلومات القليلة التي يتم الحصول عليها من أجهزة الاستخبارات والاتصالات التي تركناها. وأشار الضباط الأميركيون إلى أن تأسيس جيش من البداية يستغرق وقتاً طويلاً، وأنهم لم يحصلوا على الوقت اللازم لبناء قوات دفاع عراقية ذات كفاءة عالية. وأوضحوا أن رفع المستوى كان يتطلب على الأقل خمسة أعوام إضافية و25 ألف مُدرِّب. وقد علموا عند مغادرتهم المعسكرات أن العراقيين لا يمكنهم القتال من دونهم، وأدركوا ما يمكن أن يحيق بالجيش الذي تركوه من ورائهم. وكان السؤال الوحيد إلى متى يمكن لهذا المزيج المتنافر من السُنة والشيعة والأكراد أن يحافظ على السلام الهشّ؟ وبالطبع، سرّعت القيادة المدنية العراقية من تدمير الجيش، وبينما كان المستشارون الأميركيون يغادرون بغداد، أدركوا أن عناصر الحاشية الشيعية لرئيس الوزراء نوري المالكي بدؤوا عملية تطهير مرعبة للضباط السنة. وحتى ذلك الحين، كان ولاء غالبية الضباط العراقيين الجيدين للدولة وليس لمذهب ديني. وكان كثير منهم يتمتعون بشخصية كارزمية. لكنهم بدؤوا يختفون من صفوف الجيش بمجرد خروج الأميركيين. وفي غضون ذلك، تتباين آراء الضباط الأميركيين الذين التقيتهم بشأن ما ينبغي القيام به في مواجهة الأزمة الراهنة، فبعضهم يزعم الحاجة إلى ضربات جوية، وآخرون يطالبون بتدخل عسكري محدود تنفذه القوات الخاصة. غير أن غالبيتهم يعتقدون أن العراق انزلق بالفعل في حرب أهلية طائفية، ولا يختلف كثيراً عن ما يحدث في سوريا. ويتفق كثير منهم على أن الضربات الجوية لن تجدي بمجرد تغلغل قوات «داعش» داخل المدن؛ ذلك أن الولايات المتحدة لن تقصف مناطق عمرانية مكتظة بالمدنيين. ويعتقد كثيرون أن المسار الأفضل الآن هو إرسال مساعدات تشمل أسلحة وسيارات وأجهزة اتصال وغيرها، ومن ثم الانتظار ومشاهدة ما سيحدث حتى يُسفك ما يكفي من دماء كي تضع الحرب أوزارها! روبرت سكالز جنرال أميركي متقاعد يُنشر بترتيب خاص مع «خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»