بينما تُمعن إدارة أوباما النظر في كيفية التعامل مع سيطرة الإرهابيين على شمال العراق، يتعين أن تعي نتيجة واحدة: هي ضرورة إعادة تقييم الخطط التي أعلن عنها البيت الأبيض مؤخراً حيال أفغانستان.. خصوصاً تعهده بسحب كافة القوات الأميركية بحلول نهاية 2016، باستثناء فرقة طوارئ صغيرة ملحقة بسفارتنا في كابول. وبالطبع، أفغانستان ليست كالعراق، فهناك اختلافات جوهرية بين البلدين. لكن توجد كذلك أوجه شبه ودروس مستفادة من التجربة الأميركية في كلتا الحربين سنتعرض للخطر لو تجاهلناها. وكما هو الحال في العراق قبل ثلاثة أعوام، برّر البيت الأبيض انسحاب القوات الأميركية المقترح من أفغانستان بأنه «نهاية» لإحدى الحروب الموروثة. لكن الخروج المخطط له لن يكون كذلك، وبالأحرى لو تم إكماله، سيهدد بتهيئة المسرح لتدمير كل شيء حارب الجيش الأميركي وضحى من أجل إنجازه هناك، مثلما نواجه الآن في العراق. وتزيد خطة إدارة أوباما بدرجة كبيرة خطر تمكّن تنظيم «القاعدة» والجماعات التابعة له من استعادة السيطرة على المنطقة التي خطط فيها لهجمات 11 سبتمبر 2001، وما لذلك من تداعيات شديدة على أمن الولايات المتحدة وحلفائها. وقد استطاعت الولايات المتحدة تقليص التهديد الإرهابي في أفغانستان والمناطق القبلية المجاورة في باكستان خلال الأعوام القليلة الماضية. لكن من المنطقي التفكير في أن هذه المكاسب ستضيع سُدى ما لم نواصل الضغط. وسيكون ذلك بالغ الصعوبة في غياب التواجد العسكري على الأرض في أفغانستان، كما شاهدنا في العراق، إذ تقهقرت الشبكات المرتبطة بتنظيم «القاعدة» أثناء الإمدادات العسكرية الأميركية في عامي 2007 و2008، كي تعود للانتقام بعد رحيل القوات الأميركية في نهاية 2011. وبالمثل، سيقوض الانسحاب الكامل للقوات دعامة الاستقرار الأساسية في السياسة الأفغانية التي ماتزال هشة، وسيحدث فراغ من شأنه تشجيع الدول المجاورة على زيادة تدخلها غير المفيد، مما يفاقم خطر انزلاق البلاد في حرب أهلية. وما يزيد الأمور تعقيداً أن الإدارة تخطط أيضاً لإجراء تخفيضات حادة في التمويل الأميركي لقوات الأمن الوطني الأفغانية، ما يفاقم خطر التمرد الإرهابي. وعلى عكس العراق الغني بالنفط، لا يمكن لأفغانستان تحمل الحفاظ على كفاية قواتها العسكرية بمفردها. ومن المقرر خفض عدد قوات الشرطة والجيش الأفغانيين واللذين تجاوزا 352 ألف جندي منذ تولي أوباما السلطة، إلى 228.500 بحلول عام 2018. ويعني ذلك خفض ثلث القوة الأفغاني التي بنيناها بطريقة منهجية، ومن ثم تسريح أكثر من مائة ألف شاب في سنّ التجنيد. ومن غير المنطقي أن تتمكن الولايات المتحدة من سحب كافة قواتها وتقلص في الوقت ذاته صفوف الجيش الأفغاني دون التسبب في كارثة كتلك التي تحدث الآن في العراق. والحقيقة أن هذه هي النتيجة التي توصل إليها تقييم مستقل طلب الكونجرس من «مركز التحليلات البحرية» غير الحزبي إجراءه خلال العام الجاري، والذي حذّر من أن التقديرات وراء خفض عدد قوات الأمن الوطني الأفغانية كانت «خاطئة» وستقوض أهداف السياسة الخارجية الأميركية في أفغانستان حال المضي فيها. ويزعم التقرير أيضاً أن الدعم الدولي سيكون ضرورياً لسد الفجوات في تعبئة قوات الأمن الوطني الأفغانية والإمداد والتموين والمساندة الجوية وجمع المعلومات الاستخباراتية حتى عام 2018 على الأقل. ومن الواضح أن ذلك لن يكون ممكناً إذا غادرت القوات الأميركية بحلول نهاية عام 2016. وما يجعل الجدول الزمني الذي وضعه أوباما لأفغانستان يمثل مشكلة بشكل خاص، هو أنه بسحب القوات أثناء أيامه الأخيرة في السلطة، فإنه يخاطر بتوريث كارثة قيد التطور للرئيس القادم، كابحاً قدرة القائد العام المقبل على إدارة المنطقة الحيوية في العالم من اليوم الأول لتوليه السلطة. بيد أن ترك عشرات الآلاف من الجنود الأميركيين يقاتلون في أفغانستان إلى الأبد، ليس بديلا عن الانسحاب الكامل الذي تخطط له الإدارة، فهذا اختيار خاطئ، والحل هو إمساك العصا من المنتصف. ويمكن تقليص عدد القوات الأميركية في أفغانستان من الآن وحتى عام 2016، بينما تواصل القوات الأفغانية تحمل مزيد من أعباء المواجهة بنفسها مع انسحاب الأميركيين. لكن بدلا من إنهاء التواجد العسكري الأميركي بالكامل، وفق جدول زمني مصطنع، يمكن للولايات المتحدة إبطاء وتيرة الانسحاب، تاركة مجموعة من قوات التحالف في قواعد للمساعدة، مثلما يفضل القادة العسكريون في الميدان. ويمكن ترك القرارات بشأن المراحل الانتقالية المقبلة للإدارة التالية التي ستكون عارفة الظروف على الأرض. وفي الوقت نفسه، على إدارة أوباما أن تستثمر رأس المال السياسي اللازم للحفاظ على قدرات قوات الأمن الوطني الأفغانية الحالية. وعلى الأفغان أن يتعلموا من أخطاء العراقيين، لاسيما الحاجة إلى حكم شامل والسعي إلى شراكة أمنية طويلة الأجل مع الولايات المتحدة. وقد وصف أوباما الانتخابات الرئاسية المقبلة بأنها ستكون «سباق البدلاء»، ولا يزال بمقدوره ترك فرصة أفضل -في أفغانستان- للرئيس القادم من تلك التي ورثها، وهو ميراث رئاسي يمكن أن يفخر به هو وفريق الأمن الوطني. والبديل هو الاندفاع نحو الخروج، مكرراً ذات الأخطاء التي أسهمت في الكارثة التي نواجهها الآن في العراق. ------- جوزيف ليبرمان عضو مجلس شيوخ سابق عن ولاية «كونيكتيكت» فانس سيرشوك زميل في «مركز الأمن الأميركي الجديد» ------- يُنشر بترتيب خاص مع «خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»