فوجئت إيران مرتين: مرة عندما ثار الشعب السوري على الأسد، ومرة عندما ثار العراقيون (بالسلاح) على المالكي! في حالة الأسد، ارتبك الإيرانيون ارتباكاً شديداً، واختلفوا في تقديراتهم للحراك التغييري العربي. تقدير خامنئي كان أنّ هذه «الثورات» ستتحول إلى إسلامية على الطريقة الإيرانية. أما تقدير موظفي الخارجية وحسن نصرالله والأسد، فكان منذ البداية أن الحراك العربي مذهبي وطائفي، وأنه حتى لو جاء «الإخوان المسلمون» للسلطة في مصر- وهم أصدقاء إيران- فلن تعود الأمور إلى ما كانت عليه، بمعنى أن يبقى التغلغل الإيراني يحمل راية المقاومة ويُقنع بها. لذلك، وعندما اشتدّ قمع الأسد للمتظاهرين، وحمل بعضهم السلاح، وبدؤوا يستقلُّون بمناطقهم؛ اتخذت إيران قرار التدخل العسكري في سوريا عبر ميليشياتها في لبنان والعراق وأفغانستان واليمن، لأن سليماني ومستشاريه ما عادوا كافين لإبقاء الأسد في السلطة أو الصمود في وجه الثوار. وما اكتفت إيران بهذه المقاربة الضيقة، بمعنى القول إنها تتدخل لحماية المقاومة والممانعة، بل تشاورت مع روسيا ونسّقت مع المالكي، وتواصلت مع أطراف فلسطينية وعربية أُخرى، حيث جرى الحديث عن المؤامرة الأميركية والإسرائيلية على جبهة المقاومة التي يقودها «حزب الله»! وما كفى كل ذلك، رغم اعتبار محمد حسنين هيكل والقوميين العرب السابقين الأشاوس، واليساريين المستنيرين والعلمانيين التقدميين، كلّ ذلك كافياً. بل انصرف «نصر الله» والمالكي والأجهزة التابعة لهما والفضائيات، إلى «الكشف» عن الإرهاب السني التكفيري، الذي يستهدف المزارات المقدسة، ويستهدف الشيعة عموماً. وكان جزء من هذه الحملة موجَّهاً للأميركيين والأوروبيين الذين جاء بعض شبانهم إلى سوريا لـ«الجهاد». لكنّ ثقة «نصرالله» والأسد بالانتصار ما أتت من براعتهما؛ بل كان السبب هو السيطرة والتحويل داخل أوساط المتشددين الشبان في السجون عندهم، أو من حولهم بسوريا والعراق وإيران. وبالفعل فإنّ مئات الشبان تم إطلاقهم فتوزعوا في ريف دمشق والقلمون وحلب وإدلب وباتجاه الحدود الأردنية. وقد أقبلوا -وبينهم ضباط للمخابرات السورية- على إنشاء الكتائب المسلحة التي لا تقصفها ولا تعترضها مدفعية الأسد وطائراته. وعندما أحسوا بالنجاح الجزئي في هذه العملية، وجَّه سليماني والمالكي لفعل الشيء نفسِه في العراق. فبشكلٍ مفاجئٍ هرب مئاتُ المسجونين من «القاعدة» بسجن أبوغريب، وذهبوا رأساً إلى سوريا وانتشروا بين الثوار بجوار المناطق الكردية، وفي الرقة ونواحي حلب. وكان المقصود أن يسيطر الداعشيون السوريون والعراقيون على كلّ النواحي التي انحسرت عنها سيطرة الأسد. لكنهم اختلفوا على القيادة، وعلى استصفاء الموارد. فنشب النزاع المسلح بينهم، وأعلن السوريون عن البقاء في ظلّ الظواهري (المتخفي بإيران)، بينما أعلن العراقيون بالعراق والرقة السورية عن الانفصال عن الظواهري وإقامة «دولة العراق والشام الإسلامية»! وهكذا ما تحقق هدف سليماني والأسد بالكامل، أي أن يسيطر عملاؤهم المحوَّلون على المناطق الثائرة، لكنهم استطاعوا نشر الانقسام في صفوف الثائرين بسوريا وبالعراق. ويبدو أنّ «جبهة النصرة» ما عادت لها علاقات بنظام الأسد؛ بينما لا يزال لسليماني نفوذه في أوساط «داعش» السورية وربما العراقية! كان الرد الإيراني على الثورة السورية القيام بأمرين: دعم الأسد عسكرياً، وتسليط «القاعدة» في موجتها الثانية على المناطق السنية المحتجة أو الثائرة. أمّا تفاجؤهم بما جرى ويجري بالعراق، فيعود إلى أن اليأس دب في قلوب وعقول الجميع بعد عام 2010 وسط مغادرة المقاتلين العرب للعراق، واتجاه زعماء السنة السياسيين لاستجداء المالكي وأحياناً استجداء سليماني والأميركيين. وما يئست العشائر، بل خرجت للتظاهر والاعتصام في المحافظات الستّ خلال عامي 2012 و2013. وكما حصل في سوريا، فإنه بعد عام ونصف العام من التظاهر السلمي، أغارت عليهم قوات المالكي وطردتهم من الساحات، وقبضت على زعمائهم. ومضى المالكي إلى الانتخابات على وقع الشعارات التي أطلقها في كربلاء: «بيننا وبينكم بحور من الدماء. وصراع الحسين ضد يزيد مستمر»! ورغم الشكوى إلى سليماني من جانب زعماء الشيعة بأن المالكي لم يَعُدْ يُطاق؛ فإن سليماني أصر على أن المالكي مثل الأسد ضرورة لنُصرة الشيعة ومحور طهران للمقاومة والممانعة. وعندما ذكر له أحمد أبو رشية، الزعيم القَبَلي الموالي للمالكي، أنه لابد من بعض التنازلات للسنة، قال له ضاحكاً على الطريقة العراقية: ماكو سنة! وبالفعل، بعد فض الاعتصامات، ونجاح المالكي في الانتخابات، بدت خطة سليماني في سبيلها للنجاح. وقد بلغ من هَول الاحتشاد الطائفي الذي صب لمصلحة المالكي أنه عندما حدثت الثورة المسلحة قبل عشرة أيام؛ فإن الحكيم -خصم المالكي- لبس اللباس العسكري، وأصدر السيستاني فتواه المعروفة. لقد جاءت الثورة المسلحة من جانب عدة أطراف: العشائر، وبقايا الجيش العراقي القديم وحزب «البعث» والنقشبندية و«داعش». لكن ما الداعي لأن يعلن القحطاني في اليوم الثاني أنه لن يكتفي ببغداد، بل سيغزو النجف وكربلاء! وما الداعي للإغارة على سامراء قبل بدء الحركة المسلحة الشاملة، تذكيراً بنسف مزار الإمامين هناك عام 2006؟ هل هذا تعصب وقلة عقل فقط؟ بالطبع لا، بل هي اختراقات وتحويلات هدفها ضرب المطالب الوطنية المحقّة. لدى الأميركيين الآن همٌ واحد هو حفظ ما تبقى من الدولة العراقية التي كانوا قد هدموها في عامي 2003 و2004. وباستثناء المالكي، لا أحد يتهم العرب الخليجيين بدعم المتطرفين. لكنّ الأميركيين اليوم يتشاورون ليس مع إيران فقط؛ بل ومع العرب أيضاً. لذلك فالمطلوب والممكن إنقاذ العراق، وعدم تمكين الإيرانيين من مد مشكلاته وحروبه استهدافاً للعرب وللمسلمين. وهذه المهمة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. المالكي مثل سليماني يقول: الحرب طويلة، وفي ذهنهم تسعير الحشد الطائفي، وتطويل النزاع، وإقناع الأميركيين بعدم التدخل وتركهم لمصارعة الإرهاب، خدمة للأمن العالمي، كما فعلوا ويفعلون في سوريا! ويستطيع العرب التدخل لنُصرة الحل السياسي، أي حكومة التوافق الوطني. ويستطيعون التواصُل مع العشائر والقوى الأُخرى التي تحصُرُ مطالبها بإسقاط حكومة المالكي، وإعطاء أهل السنة حقوق المواطنة المنكورة عليهم الآن. وتستطيع العشائر والعسكريون القادة الخلاص من «داعش» كما فعلوا عام 2007. ما ضاعت سوريا بعد، ولا ضاع العراق. لكن العقبات ازدادت وفي طليعتها الهجمة الإيرانية، والتحشد الطائفي، والمصالح المستقرة للطبقات المسيطرة منذ خمسة عقود أو سيطرت بعد الغزو الأميركي، وأخيراً النزاع الدولي على المنطقة، والمصالح الإسرائيلية. على الأميركيين مسؤوليات كبرى ليس في العراق فقط؛ بل وفي سوريا وفلسطين ولبنان. ومع كل تلك الصعوبات، يبقى الهجوم الإيراني هو الأفظع. ويبدو أن هناك تقارباً عربياً أميركياً في كل من سوريا والعراق. إنما كيف يمكن التصرف مع إيران؟ كان ينبغي إحداث إفشال في سوريا لكي يفكر الإيرانيون مرتين. وما حدث ذلك حتى الآن. والتحشيد الطائفي نتيجة المخاوف الموهومة من «داعش»، يجعل سليماني منتصراً حتى على روحاني بالداخل الإيراني. فقد صرح روحاني قل أيام بأن إيران مستعدة لحماية العتبات المقدسة!. وإذا كان الشيعة العراقيون 60 بالمئة من الشعب العراقي، فكيف يعجزون عن حماية تلك المراقد من بضع مئات من الإرهابيين؟! لابد من «إقناع» الإيرانيين بضرورة الحل السياسي ليس! فليس من الممكن أن تستمر تنظيمات طائفية مسلحة في السيطرة على خمس أو ست دول عربية، والاستمرار في زعزعة الاستقرار في عدة دول أُخرى! إن استمرار التخلّي عن هذه البلدان والشعوب لتجنب الاتهام بدعم الإرهاب، هو تسليم لتلك البلدان والشعوب للإيرانيين وللإرهابيين معاً!