بنجاح الانتخابات الرئاسية الأخيرة تكون مصر قد أكملت دورة سياسية كبرى كاملة، وعادت إلى نقطة البداية بعد ما يقارب خمسة وستين عاماً من التجارب السياسية والاقتصادية التي لم يتكلل العديد منها بتحقيق النجاح المرجو. هذه الدورة الكاملة، خاصة بعد حركة 30 يونيو التصحيحية التي أطاحت بحكم "الإخوان المسلمين"، الذي كان سيأخذ مصر إلى غياهب ظلام مجهول تضل فيه طريقها ويضعها على مفترق طرق، فهي إما أن تسلك طريق الاستقرار والهدوء السياسي والاجتماعي الذي ستتحقق من خلاله التنمية الشاملة المستدامة، أو أن تسلك الطريق الآخر الذي نتمنى ألا تقع مصر في مطباته ويقودها إلى المجهول. محدثكم من العرب الذين يرون بأن مصر قوية دولة ومجتمعاً، ولا يمكن لها أن تنزلق إلى مسالك العنف وعدم الاستقرار وسقوط الدولة، فهذا السيناريو يبقى ضعيف الاحتمال إلى حد كبير، فمؤسسات الدولة المصرية تبقى قوية وملتزمة للحفاظ على دولة فاعلة ومجتمع آمن وإنْ مرت البلاد بكبوات على مدى السنوات الماضية، والدليل على ذلك أن جميع الغرماء السياسيين، باستثناء "الإخوان المسلمين"، أجمعوا على أن البلاد يجب أن تعود إلى طبيعتها الأساسية الهادئة، وذهبوا إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس الجمهورية، وينادون الآن بحتمية عودة البرلمان والحياة النيابية لكي تدعم القيادة السياسية الجديدة. هؤلاء الغرماء السياسيون لا يريدون للدولة المصرية أن تنهار، وهم بسقوط حكم "الإخوان" يفصحون عن روح إيجابية متفائلة بمستقبل أفضل لمصر. وبنظرة أعمق إلى الحالة المصرية الحالية يلاحظ بأن الضحية الحقيقية للدورة الكاملة التي نتحدث عنها هي تجربة المجتمع المتراكمة خلال ما يزيد على الستين عاماً المنصرمة، فيوجد شعور بالرفض القوي لما جرى خلال تلك الفترة، خاصة في أوساط الناشئة المصرية. فالذي حدث منذ بداية خمسينيات القرن العشرين إلى هذه اللحظة يحمل في طياته احتمال جعل المجتمع مجرداً من الحكمة المتراكمة لديه، وهي خسارة جرّدت المجتمع من تجربة خصبة جداً تراكمت على مدى المائة والستين عاماً الماضية منذ أن دشن محمد علي باشا تجربته التنموية في القرن التاسع عشر، وهي فترة كان المجتمع المصري خلالها يحاول البحث عن هويته وإطاره المرجعي وتوجهاته المستقبلية. ويبدو بأن الرحلة الشاقة خلال الستة عقود أو نيف الماضية قدمت للمصريين العديد من الدروس وأرثت لديهم العديد من الجروح، البعض منها قابل للاندمال والنسيان والتجاوز، والأخرى عميقة ومؤثرة لكنها تركتهم في المجمل واقفين عند مفترق طرق محيرة، فالمصريون يسألون أنفسهم الآن: ماهو الآتي على مدى الأيام والسنين المقبلة؟ مجمل القول إن مستقبل مصر القادم يكمن في يد شبابها وحدهم وليس بيد "الإخوان" العابثين بأمنها حالياً، أو بيد أي من التيارات السياسية والأيديولوجية الأخرى، فالمعتدلون والإسلاميون المتشددون يتصارعون على كسب قلوب وأفئدة الشباب المصري، وهم يدخلون في مغامرات عبر برامجهم وطروحاتهم المختلفة لكي يجيبوا على الأسئلة التي يطرحها المجتمع المصري من خلال حركة التغيير التي قادها شبابه بدءاً بميدان التحرير وحاول لصوص السياسة من "الإخوان المسلمين" وغيرهم الانقضاض عليها ومصادرتها، لكن شباب مصر أوعى كثيراً من أن يخدعهم هؤلاء لو أن قيادات بلاده السياسية والاقتصادية أحسنت التعامل معه ووفرت له السبل المناسبة التي يستطيع من خلالها أن يحقق طموحاته في العيش الكريم، فمن خلال ذلك سيتحقق لمصر وللمصريين كافة الأمن الشامل والرزق الوفير، وهما المطلبان الأساسيان لأي شعب من شعوب الأرض.