ليس بالإمكان تجاهل عملية الاستقطاب في المشهد الكويتي، فالانقسام أصبح علامة بارزة لا يمكن إخفاؤها، والعلاقة بين المعارضة والسلطات الأخرى تحولت إلى أحد أهم الثغرات التي توجع الجسد الكويتي، ولا يملك العاقل سوى أن يقترب من الحقيقة ويحاول أن يحل الأزمة عبر الوصول إلى صيغة عقلانية تعيد للدولة استقرارها. ربما ما يحدث في الكويت هو امتداد لما يحدث في معظم بلادنا العربية، فالدولة بسلطاتها ما زالت على قناعة بأن كل شيء يسير على ما يرام، وأن من يعارضها من الممكن إقصاؤه أو تهميشه عبر وسائل مختلفة. الدولة بحاجة إلى مراجعة لأجل سلامتها، وعليها أن تفكر جدياً أن أدواتها القديمة غير مجدية، ولا تملك سوى أنها تقترب من مسببات الأزمة وتحاول أن تتعامل بواقعية تخدمها على المدى البعيد. المعارضة الجديدة التي تقود الشارع الكويتي، تعبر عن تحولات اجتماعية كبيرة لم تستوعبها الدولة، والمعارضة التقليدية وجدت نفسها في موقف المدافع عن مجموعة المصالح التي تحولت إلى قوة كبيرة تسير وفق نهج الاستحواذ، غير عابئة بتداعيات سياساتها، بالمقابل المعارضة الجديدة تتشكل من قوى اجتماعية تشكل الغالبية في المجتمع ولا يمكن تجاهلها في مطالبها، وهي اليوم ما يجمع شتاتها أن معظم أفرادها ينتمون إلى الطبقة الوسطى التي تتحسس الظلم الاجتماعي الواقع عليها. وربما نعتقد أن هناك تبلوراً في العلاقات الاجتماعية وإن كان عسيراً، إلا أن تشكيل الأطراف المتصارعة من الممكن قراءته اجتماعياً من حيث المكونات، فالحكومة والمعارضة التقليدية ومجلس الأمة تقربهم المصالح، بينما المعارضة الجديدة مكوناتها يحكمها التقارب الاجتماعي، كونها تشكل غالبية مجتمعية تجمع الحضر والبادية والقاعدة الطائفية، بمعنى أن المعارضة الجديدة استطاعت إلى درجة كبيرة بلورة مشروعها المدافع عن مصالحها. الوضع المقلق في المشهد الكويتي، أن لدينا اضطرابات إقليمية تأخذ في التصاعد، كما هو متوقع، والوضع الداخلي يعيش حالة توتر وإحباط متراكم مما يعقد المشهد الكويتي، واستمرار حالة الصراع ليس لصالح الكويت بتشكيلاتها الاجتماعية كافة، ما يستدعي موقفاً من العقلاء لكي لا ترتفع وتيرة الانقسامات الاجتماعية التي تعمق الخلافات وتحولها إلى حالة من حالات الكراهية التي نعتبرها بداية لمرحلة جديدة من الصعب التنبؤ بمسارها وتداعياتها. ولعل من أهم محاور الصراع، يتجسد في تعثر الحكومة في خطواتها، إضافة إلى تصاعد وتيرة الفساد دون أن يرافق ذلك خطوات جادة، ما يعزز مساحة الانقسام بين الأطراف المتصارعة. بكل تأكيد، هناك إخفاقات في صف المعارضة كما هو من اليقين أن إخفاقات الحكومة باتت سمة واضحة لا يمكن حتى للشمس أن تخفيها. ومن ضمن إخفاقات المعارضة ما يتجسد في لغة التحدي التي جعلت الأطراف الأخرى تشعر بالخوف على امتيازاتها، وهذا ما يجب أن ننظر له بعقلانية كبيرة، خصوصاً أن هدف الجميع هو حماية الأمن الاجتماعي واستمرار حالة الانسجام الاجتماعي التي تعودناها. لا يمكن لعاقل أن يمضي دون التفكير بطبيعة التغير الاجتماعي وطبيعة مكونات المجتمع التي يجب أن تشارك في صنع المستقبل، كما أن الدولة عليها مسؤولية إعادة التوازن الاجتماعي وأن لا تنجرف وراء تحالفات لا تخدم مصالحها الاستراتيجية التي لا يمكن فيها إغفال الصالح العام. العملية الديمقراطية بأكملها بحاجة إلى إعادة تقييم عقلاني، وفق ما نص عليه دستور 62، والمراجعة لا تنقص من تجربتنا بقدر ما هي تشكل حاجة ملحة لمعالجة الثغرات التي نفذت إلى جسد الوطن.