من أجل استئصال المعارضة في سوريا، يجب أن يكون مجرماً كل من فكر وقدّر بشكل مستقل وحر! ومن أجل إلغاء المعارضة في الحياة السياسية، يجب أن يقال إنها ارتكبت «الخيانة العظمى»، وهي الاختلاف مع بشار في طريقة تدبيره للشأن العام. وبذلك الحكم يكون قد تم الختم على العقل وأُعلنت موته، ودُعي الناس إلى جنازته للدفن. طريقة تفكير من ذلك النوع تطبيقاتها في الطرق وصناعة السيارات أن يبدأ المهندسون بهندسة طرق سريعة باتجاه واحد، تمشي فيها السيارات بغير عودة، وكاراجات تدخل فيها الشاحنات، وليس من ناقل حركة يعيد السيارة للخلف! إنها كارثة أن تعلن أمة خسوف التفكير والهندسة والطيران والبناء والصناعة.. أليس كذلك؟! علينا الآن تأمل النتائج الكارثية لمثل هذا التفكير وإلى أين تنتهي الأمور؟ أما في السياسة فالنهاية تكون تحت حكم استبدادي، وأما في المجتمع فصمت وقتل للحوار وبناء آراء أحادية، ومنع النقاش في أي موضوع مخافة الاتهام بالزندقة والردة؛ فلا تعلم نفس أين ينتهي بها النقاش، طالما أن السقف تقلص إلى حد لا يستطيع معه المرء أن يرفع رأسه، كما يذكر المعتقلون السوريون السابقون عن زنازينهم. وقد كان أحدهم رجلا قصيراً؛ لذلك فهو محظوظ إذ كانت معظم سنوات اعتقاله الخمس في غرفة لا يزيد ارتفاع سقفها على 165 سم. إنها تذكر أيضاً بأقفاص الفيتناميين وكذلك سلاسل جوانتانامو. وهنا يجب نفض الدماغ وتأسيس العقل النقدي. ومن أجل ترسيخ العدالة يجب الأخذ بعين الاعتبار أن أي نص أو اجتهاد يصطدم بالمبدأ القرآني يسقط تلقائياً ويعتبر عديم القيمة. وعند هذه القاعدة الراسخة من الإنسانية احتجنا إلى «فولتير» الفرنساوي كي يذكرنا بما عندنا متمثلا في الثلاثي المشهور: ـ عبر عن رأيك كما تشاء ـ أنا مستعد أن أموت من أجل حقك في التعبير عن رأيك كما تشاء ـ مع كل إيماني باختلافنا فكرياً؛ فالرأي والرأي الآخر هو مثل الأنشوطة المعقودة من طرفيها حول رقبتين؛ فإذا شددناها من طرف اختنق الاثنان، وإن أرخيناها نجا الأول ونجا الثاني. إنها أنشوطة الإعدام المتبادل أو الخلاص الشامل. ذلك هو التنوير الذي أضاء العالم، وأدخله إلى استعمال المصباح الكهربي، والديمقراطية، والتكنولوجيا، والفيمتو ثانية، والتبادل السلمي للسلطة، والكود الوراثي، واحترام حرية الرأي، والكواركز، والمؤتمرات العلمية العلنية، وكل التقنيات التي جاءت مع عصر التنوير… إلخ. ليست الأشياء هي ما يبني الحضارة، بل هي من نواتجها، لكن من الوسط العقلاني والطبقة العلمية اللاحقة، قبل أن يتم توليد وإنتاج «الأشياء»، عطاءٌ غير محدود. وبكل أسف مازال العالم العربي يغط في سبات عميق، في سجف من الظلام العقائدي، الحزبي والطائفي والقبلي، مخدراً بقصص ألف ليلة وليلة والسندباد البحري! والأمل أن أنوار العلم والفكر سوف تضيء حياته، ولو بعد حين، فهي المسيرة المظفرة للبشرية كلها، نحو ما هو أفضل، تحت قانون «فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ».