اجتذبت الهزة الجيواستراتيجية التي أحدثها تنظيم «دولة العراق والشام الإسلامية» (داعش) في الموصل، اهتمام وسائل الإعلام العالمية. وقد جاء هذا الاجتذاب على حساب عدد من الملفات الإقليمية الأخرى، مثل ملف النظام السوري الذي يحاول رئيسه استعادة الشرعية المفقودة من الشعب. وهذا الاجتذاب أشغل اهتمام السياسيين في العالم والمنطقة عن ما يحدث من ترتيبات للصفقة الإيرانية المنتظرة مع الولايات المتحدة والغرب عموماً. لا يكفي النظر إلى ما تقوم به «داعش» من ممارسات على الأرض على أنه حدث طارئ في المنطقة وتحديداً بعدما تخلى الرئيس الأميركي عن «الصحوات» السنية في العراق، والتي سجلت انتصارات على «القاعدة»، بل إن ما يحدث هو في الواقع أثر من آثار حالة الفوضى الأمنية والسياسية التي تعيشها هذه المنطقة «الملتهبة» من العالم. كما أنها نتيجة طبيعية لدولة «الغلبة» التي كرسها رئيس الوزراء نور المالكي باستشارات إيرانية؛ باعتبار أن قاسم سليماني تواجد كثيراً في العراق. ولا شك أن هذه الهزة التي صدمت العالم، ستكون لها آثار في الداخل العراقي على اعتبار أن المالكي حتى لو استطاع استرداد المناطق التي استولت عليها «داعش»؛ وهو أمر يعتقد الكثيرون إمكانية حدوثه بسهولة؛ فإن ما حدث سيكون له تأثير على المالكي وطموحاته السياسية الممتدة، كما أنه سيؤثر سلباً على الثورة السورية، وكذلك سيعطي فرصة جديدة لدول في المنطقة عرف عنها استغلال الفرص السياسية؛ مثل إيران. ويبقى الخوف هو من أن تؤدي نتائج الحرب التي يشنها المالكي إلى اكتمال هيكلة الديموغرافيا الطائفية في العراق، علماً بأنه تم تشكيل قوات للدفاع عن السلطة العراقية الحالية وعن المراقد الشيعية. وبالتالي فإن هذا سيكون له مردود سلبي على المنطقة بأكملها، خاصة مع احتمال تدخل قوات الحرس الثوري الإيراني، حيث صرح الرئيس روحاني بأن بلاده على استعداد لتقديم المساعدة للمالكي وبالتالي فسيأخذ الموضوعُ بعداً طائفياً قد تؤججه إيران خدمةً لمصالحها. وستلعب «داعش»، بقصد أو بدون قصد، دور المنقذ لبشار، وستقدم خدمة حقيقية للنظام السوري كي تتم إعادة تأهيله دولياً ليقوم بدور في القضاء على الحركات الإرهابية. وسواء أكان هذا مخطط له من قبل سوريا وإيران أم لا، فإنها الحقيقة المؤكدة. فالغرب يخاف من الإرهاب بسبب ما عانى من جرائه. وبالإمكان أن نرى عودة الحرب ضد «الإسلاميين المتطرفين»، وأن تتصاعد تلك الحرب في المرحلة المقبلة، وربما يناط الأمر في حالة «ثلاثاء العراق»- اليوم الذي سقطت فيه الموصل- بالمالكي وحليفه الاستراتيجي إيران، حيث يبدو أن الولايات المتحدة راغبة في أن تقوم قوة إقليمية بهذا الدور، وربما تكون إيران في هذه الحالة. ومن واقع تجاربنا السياسية نعلم أن تدخل إيران سوف يكون مصحوباً بتنازلات سياسية واستراتيجية من الغرب؛ وبالتالي فإن احتمالات الصفقة المحتملة قريبة. والسائد في حالة منطقتنا أن التشكيلات التي تقوم بأعمال إرهاب وعنف إما أنها تكون بصناعة الاستخبارات الإيرانية من أجل تمددها في المنطقة. وربما «حزب الله» اللبناني خير مثال على ذلك، ومعه «الحوثيون» في اليمن؛ طبعاً مع اختلاف درجات العنف فيما يتعلق بـ«داعش». فالذي أظهرته «داعش» من عنف ورعب يبرر حالة الهجرة لأهل الموصل باتجاه أربيل. أما الحالة الثانية فيما يخص التشكيلات الإرهابية في المنطقة، فإن لإيران تاريخاً في إقامات علاقات مع تلك التشكيلات بغض النظر على الطائفة، فهي تعتبرها ورقه استراتيجية على اعتبار أن كثيراً من قيادات تنظيم «القاعدة» كانوا موجودين فيها، وآخرهم سليمان غيث المتحدث باسم «القاعدة»، والذي اعتقل العام الماضي. ما يعني أن احتمال وجود صلة بين إيران و«داعش» أمر غير مستبعد. هناك مجموعة من المؤشرات تطرح تساؤلات استفهامية حول حقيقة انتصارات «داعش» وحضورها على الساحة السياسية. وبما أنه في السياسة كل الاحتمالات ورادة أو على الأقل قابلة للطرح، فإن الكثير من المراقبين يتساءلون عن مصادر دخل هذا التنظيم الذي لم تعرف أي حركة متطرفة مثله في حجم الصرف. بل إن هروب قادة من الجيش العراقي المدرب أمر غير واضح للكثيرين؛ على الأقل من ناحية «فضيحة الهروب». وما يزيد الأمر حيرة سرعة طلب المالكي مساعدة دولية للدفاع عن بغداد، ما يفتح الباب لاحتمالات «الخبث السياسي» والإيحاء بأن المنقذ سيكون إيران. الاحتمالات تشير إلى وجود نية لقصف أماكن محددة في العراق تحت بند الشرعية الدولية. وإذا كانت «داعش» قد تسببت في تكتل الشيعة لدعم المالكي، لأنها مسألة وجودية، وهو ملاحظ الآن من المتطوعين مدعومين بفتوى المرجعية الدينية، فإنها في المقابل أحرجت الجانب السني في العراق والمنطقة، لأن حركة بهذه الدرجة من العنف لا يمكن أن تجعل أحداً يبرر موقفها بل أي موقف «لين» معها قد يكون سبباً في إلصاق تهمة الإرهاب به. إلى وقت قريب كنا نظن أن حـالة الفوضى الناتجة عن «الربيع العربي» هي أكبر ما يهدد الاستقرار السياسي والأمني لدول المنطقة، وكنا نلوم المواقف الخليجية والعربية غير الحاسمة تجاهها. لكن ما أفرزته «داعش» من تداعيات يهدد كيانات الدول ويبعث على احتمالية دخول المنطقة في حرب طائفية حقيقية، لذلك، فالأمر لا يحتاج إلى وقت طويل لاتخاذ إجراءات لردعها. لأن المعنى هو سقوط «الدولة المركزية» وبالتالي ستكون النتيجة أن كل الدول معرضة للفوضى والضياع. ينبغي الالتفات إلى أن «داعش» فجرت خطرين حقيقيين. الخطر الأول؛ أنها أسست أفقاً جديداً لدى التنظيمات الإرهابية، وهو أن احتمال النجاح في تحقيق «دولة» أمر من الممكن حدوثه. وهذا الجانب لم يكن أحد يتجرأ عليه من قبل، وبالتالي فحلم الدولة الدينية يمكن تحقيقه ولو لفترة زمنية بسيطة. ومثل هذه الحركات منتشرة في العالم العربي. والخطر الثاني؛ هو أن القضاء على تنظيم «داعش» وتشتيته ربما يتسبب في توزيع قادته في المنطقة، وبالتالي فإنه سينتهي كحركة، لكنه يبقى كفكر موجود. أعتقد أن هذه هي الأسباب التي دفعت بدولة الإمارات لأن تعلن عن موقفها المبدئي مما يحدث في «ثلاثاء العراق»، عندما استيقظ العالم على سقوط الموصل وتكريت بطريقة دراماتيكية!