ما من عاقل اليوم مستعد لشراء أي سيارة قطعة قطعة لكي يقوم بتركيبها بنفسه في ظل وجود سيارة مصنعة جاهزة، لأن التكلفة في حال القطعة ستكون أكبر، فضلاً عن تضييع الوقت· اليوم في عصر العولمة، لا مجــــال للمشــــي أو الحبو بضعة سنتميترات من حين لآخر في طريق الديمقراطية الطويل· الوقت لا يسمح، والشعوب لا تنتظر· وما تفعله المملكة العربية السعودية بتوجهها البطيء جداً نحو الديمقراطية لن يفيدها ولن يستفيد منه الشعب السعودي التوّاق كغيره من الشعوب إلى الديمقراطية· لسنا نقلل من شأن بدايات التطور الديمقراطي، لكن لماذا نمشي إذا كان بإمكاننا ركوب سيارة توصلنا إلى مقصدنا في أسرع وقت؟ كذلك الديمقراطية التي يسعى النظام السعودي إلى تحقيقها كما يبدو من ظاهر الأمور، وليس عبثاً أن توافق السعودية على عقد مؤتمر دولي حول حقوق الإنسان على أراضيها· إنها خطوات جادة لكنها بطيئة، والديمقراطية في صالح الجميع في نهاية الأمر·
الشعب السعودي وبقية الشعوب العربية في الخليج تستحق دستوراً وبرلماناً يمثل الشعب حتى وإن اعترى هذا التوجه السريع شيء من الزلل، لأن زمن التعليم من خلال الأحرف قد ولى· وفي ظل العولمة تخطت الشعوب المرحلة الابتدائية في مدرسة الديمقراطية· يضم الشعب السعودي آلافاً من حملة الماجستير والدكتوراه من الجنسين، فضلاً عن تطوره الثقافي، وعقلانية مثقفيه كما يتبين من الخطاب الذي قدموه للأمير عبدالله ولي العهد السعودي، لذلك كلما تسارعت وتيرة السير نحو الديمقراطية، كلما كان ذلك أفضل للشعب والحكومة· لكن مشي السلحفاة الحاصل حالياً يعيق أكثر مما يطور، لأنه يتبين من الخطوات البطيئة نحو الديمقراطية التي يقوم بها النظام السعودي، أن المملكة كنظام سياسي ليس واثقاً مما يقدم عليه، وكأنه يريد ممارسة التجربة وخائف من الخطأ، وهذا خطأ كبير، لأنه لا خاسر في الديمقراطية· والسعودية التي بدأت بحقوق الإنسان -وهو أمر لم يحدث في الكويت ذات التاريخ الدستوري والديمقراطي الطويل نسبياً على المستوى الخليجي- تعطي مؤشراً على أن النظام السياسي يريد أن يبدأ من المجتمع، وهذا دليل وعي، لكن يحتاج الأمر إلى بناء البنية التحتية لحقوق الإنسان، ونقصد بذلك الدستور، إذ بدون دولة دستورية تظل حقوق الإنسان بلا ضمانات حقيقية·
البدء بانتخابات المجلس البلدي، مؤشر جيد، لكنه لا يعبر عن حقيقة المشاركة السياسية التي لا تتجسد إلا من خلال دستور تكون فيه السيادة للأمة ومبدأ الفصل بين السلطات واستقلال السلطة القضائية، عدا ذلك ستكون المملكة وغيرها من دول الخليج كمــــــن يهـــــدر طاقتـــــه في لا شيء· والنتيجة في النهاية واحدة إما دولة ديمقراطية أو دولة استبدادية، وحين يتجه أي نظام سياسي وينغمس في قضايا حقوق الإنسان منذ اللحظة الأولى فهذا دليل على أن هذا النظام يرغب في النهاية في الديمقراطية، إذ لا سبيل إلى ترسيخ حقوق الإنسان في المجتمع سوى الدستور والديمقراطية· لذلك نتمنى أن نرى في القريب العاجل شيوع الدستورية والديمقراطية في جميع دول الخليج دون استثناء، لقد وصل الشعب الخليجي إلي المستوى الفكري والثقافي والاجتماعي الذي يؤهله لممارسة الديمقراطية بوعي ومسؤولية·