على الرغم من كثرة ما نشر حول فلسطين وحرب فلسطين، والذي لايزال ضئيلاً بالقياس إلى أهمية القضية وتعقيدات بعض الجوانب السرية فيها على الخصوص، فإن أهمه لا يتجاوز الأخبار التي نشرتها الدول المشاركة في «سايكس بيكو»، علاوة على مذكرات بعض القادة العسكريين ممن شاركوا في تلك الحرب، وأحدهم مؤلف الكتاب الذي نعرضه هنا، «محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية»، الفريق أول ركن صالح صائب الجبوري (1898-1993) الذي كان قائداً للقوات العراقية أثناء حرب فلسطين عام 1948، وقد تم نشر هذا الكتاب عام 1970 في بيروت، ثم أعيد طبعه مؤخراً بمناسبة الذكرى السادسة والستين لاغتصاب فلسطين عام 1948. وهو يتكون من 34 فصلاً، مع ملحق يضم مجموعة من الوثائق، كرس بعضها لعرض الجوانب التاريخية لقضية فلسطين قبل وبعد نكبتها عام 1948، فألقى «نظرة على القضية الفلسطينية»، وقدم «نبذة مختصرة» عن تاريخها ومقدماتها، وعرّف بـ«العهود والمواثيق البريطانية للعرب ونكثها»، وتحدث حول «فلسطين تحت الانتداب البريطاني»، وذكر أطوار «القضية الفلسطينية خلال الحرب العالمية الثانية»، ونداءات القادة العرب للشعب الفلسطيني بالخلود إلى السكينة ريثما يتم التفاوض مع بريطانيا، واستجابة «الهيئة العربية العليا» بإنهاء الثورة. كما يعرض للتغلغل الصهيوني وبناء المستعمرات وتنظيم العصابات المسلحة، ولحالة فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية، واجتماعات الزعماء العرب في أنشاص وبلودان وصوفر وعالية، وتشكيل اللجنة العسكرية الدائمة عام 1947، واصطدامها باعتراض مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني على تسمية قائد لقوات المتطوعين، وعدم كفاية القوات المخصصة من الدول العربية للقتال. ولعل الفصول الأكثر أهمية في الكتاب، هي تلك التي تتضمن سرداً تاريخياً للأحداث كما عايشها المؤلف بوصفه قائداً عسكرياً، حيث ينقل ما دار داخل اجتماعات القادة السياسيين والعسكريين العرب استعداداً لمعركة فلسطين، وبالأخص اجتماعي أنشاص المصرية وبلودان السورية عام 1946، واجتماعات اللجنة العسكرية العربية الدائمة في سبتمبر 1947.. ويركز بكثير من التفصيل على المشاركة العراقية، فيطلعنا على وقائع الاجتماعات العسكرية السياسية في قصر الرحاب بالعراق، واجتماعات أخرى في عمّان والقاهرة، قبل أن ينتقل إلى «موقع الجيش العراقي العام» قبيل اندلاع الحرب، بما في ذلك «قوة الجيش العراقي»، و«الأمن الداخلي العراقي»، و«مشكلة النقل بين العراق وفلسطين». ويتابع الجبوري تفاصيل «حرب تقاسم فلسطين»، بما في ذلك انسحاب القوات البريطانية من غالبية مناطق فلسطين قبل الموعد المقرر وتركها للقوات الصهيونية، وانسحاب بعض القوات العربية، إضافة إلى تفاصيل المعارك، مثل معركة جنين الأولى، وتمرد بعض القادة الميدانيين على أوامر القيادة العسكرية العامة، فيما يعتبره المؤلف تآمراً مع قيادات سياسية. هذا علاوة على أن القيادة العامة للجيوش العربية في فلسطين، يقول الجبوري، كانت اسمية فقط، ولم تثبت سيطرتها على القوات المشتركة خلال أي تحرك، بسبب عدم انصياع بعض القادة لأوامرها، وتدني مستوى الإحساس بخطورة ما كان يجري في فلسطين، واقتصار الاهتمامات والرهانات على تبادل الرسائل بين جامعة الدول العربية والحكومات العربية وهيئة الأمم المتحدة بشأن الهدنتين الأولى والثانية. ويتعرض الكتاب بكثير من التفصيل لبعض الأحداث الرئيسة في الحرب، مثل الهدنتين الأولى والثانية، وتخلي بعض الجيوش العربية عن منطقتي اللد والرملة، واغتيال الوسيط الدولي «برنادوت»، وانسحاب جيش الإنقاذ إلى لبنان، وتنافس حكومة عموم فلسطين برئاسة أحمد حلمي باشا مع لاجئين فلسطينيين بايعوا الملك عبد الله في أريحا مطالبين بضم فلسطين إلى شرق الأردن، وصولاً إلى دخول العرب في مفاوضات الهدنة الدائمة في رودوس. كما يعرض موقف الجيش العراقي، وامتناع الحكومة البريطانية عن تجهيزه كجزء من خطتها العامة في فلسطين، الأمر الذي مكّن الصهاينة -مع عوامل أخرى- من الاستيلاء على كثير من المناطق والمدن، وارتكاب مجازر في القسطل ودير ياسين، وغيرها من القرى والبلدات. وإن نجح الكتاب في إعطاء صورة عن التشرذم العربي إزاء النكبة، واستطاع تبديد اتهام العراق بعدم المشاركة في القتال على أرض فلسطين عام 1948، فإنه لم يشمل بالتقييم آثار حلف بغداد في سياق الدور العراقي، ولا ثورة جمال عبد الناصر عام 1952 كرد على نكبة فلسطين عام 1948، ولم يشر إلى حرب الاستنزاف بعد هزيمة 1967.. بل أخفق أيضاً في تقييم تجربة الثورة الفلسطينية كرد على تلك الهزيمة وما قبلها من هزائم وإخفاقات. محمد ولد المنى الكتاب: محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية المؤلف: صالح صائب الجبوري الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تاريخ النشر: 2014