على الرغم من أن بوش قد يرى أن الناخبين قد أعطوه يوم الثلاثاء الماضي تفويضا لدفع أجندته المتعاطفة مع المحافظين من خلال الكونجرس، إلا أن ذلك في الحقيقة قد يكون مجرد رغبة تعتمل في نفسه وليس لها ظل من الحقيقة. فباستثناء المرات التي حقق فيها المرشحون للرئاسة انتصارا حاسما مثلما حدث بالنسبة لـ"نيكسون" عام 1972، وانتخاب "رونالد ريجان" عام 1984، وهما المرتان اللتان يمكن القول إن الشعب قد أعطى فيهما الفائز في الانتخابات تفويضا سياسيا، فإن أية انتخابات أميركية أخرى لم تقدم مثل هذا التفويض بما في ذلك الانتخابات الحالية. وعلاوة على ذلك ليس هناك ما يقطع أن الحزب الجمهوري سيظل موحدا، عندما لا يكون الخيار المطروح أمامه ليس بين بوش وبين أحد الديمقراطيين، ولكن بين قبول سياساته واقتراحاته وبين رفضها.
صحيح أن الرئيس قد أدى بشكل أفضل مما توقع الكثيرون، وصحيح أنه قد حصل على 51 في المئة من مجموع الأصوات بفارق 3.5 مليون صوت، وفاز بغالبية الأصوات في 31 ولاية، وأن ذلك قد جعل الكثيرين من المراقبين يقولون إن فوزه كان مستحقا - بالنظر إلى الفارق الضئيل الذي فاز به في انتخابات عام 2000، إلا أن الحقيقة هي أن هامش الأصوات الحقيقي لم يكن أعلى كثيرا مما كان عليه عام 2000.
ففي ذلك العام كان بوش في حاجة إلى 271 صوتاً انتخابياً، وحصل على 271. أما هذه المرة فقد حصل على 286 وهو فارق لا يمكننا من أن القول إن فوز بوش كان ساحقا، ويعطيه بالتالي تفويضا من الأمة.
إن الرئيس ومعاونيه يخدعون أنفسهم عندما يعتقدون أن الفوز في الانتخابات الأخيرة هو دليل على موافقة عامة وشاملة على مجمل سياساته.
فالحقيقة هي أن الخوف من السجل الليبرالي للسيناتور جون كيري، هو الذي أعاد الكثير من الجمهوريين المنتقدين لبوش إلى معسكره عشية الانتخابات، على الرغم من أنهم كانوا غير راضين عن سجله المتعلق بعجز الميزانية، والزيادات في حجم ونطاق الحكومة الفيدرالية، وسياسات الهجرة، والطريقة التي أدار بها الأمور في الفترة التي تلت انتهاء حرب العراق.
ولكن يمكن للرئيس أن يدلل على مصداقية أي زعم بحصوله على تفويض، عن طريق الإشارة إلى المكاسب التي حققها الجمهوريون في مجلس الشيوخ ومجلس النواب. فهزيمة زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ الأميركي "توم داشيل"، الديمقراطي من ولاية "ساوث داكوتا"، يمكن اعتبارها ثاني أهم نصر حققه الجمهوريون في تلك الانتخابات بعد فوز الرئيس بوش نفسه. فعلى الرغم من كل حديثه المعسول عن رغبته في العمل مع الرئيس بوش، فإن السيناتور "داشيل" كان في حقيقة أمره رجلا حزبيا، وقف باستمرار وبشكل فاعل ضد بوش ليس فقط فيما يتعلق بتشريعاته، ولكن أيضا فيما يتعلق بالتعيينات التي قام بها بصفته الرئاسية، وعلى وجه الخصوص تعييناته للقضاة الفيدراليين المحافظين.
وبعد ذهاب السيناتور "داشيل"، وانضمام أربعة أعضاء جمهوريين لمجلس الشيوخ الأميركي وهو ما يعطي الحزب أغلبية بفارق 10 أصوات في المجلس، فإن السيد بوش قد لا يجد نفسه مستقبلا في حاجة إلى الدخول في صراعات مع الأعضاء الديمقراطيين الذين كانوا يلجأون إلى الحيل التعويقية المعروفة لتعطيل اعتماد قراراته المتعلقة بالتعيين في المناصب.
وهذه النقطة في غاية الأهمية، خصوصا إذا ما عرفنا أنه خلال السنوات القليلة القادمة ستخلو بعض وظائف المحكمة العليا بسبب إحالة شاغليها إلى التقاعد. ولكن قد يكون من قبيل المبالغة القول إن ذلك سيعني أن الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ومجلس النواب، ستتيح الفرصة لبوش كي يقوم بتعيين من يشاء في تلك المحكمة. والسبب يرجع إلى أن الرجل الذي سيشغل منصب رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ الأميركي هو السيناتور "أرلين سبيكتر" العضو عن ولاية بنسلفانيا، وهو رجل ذو ميول ليبرالية، ويصعب التنبؤ بما سيقوم به. وعلى الرغم من أن البعض قد يذهب إلى القول إن هزيمة "داشيل" تمثل إنذارا إلى الديمقراطيين الذين يأملون في معارضة سياسات الرئيس، إلا أن الحقيقة هي أن الرجل قد فقد منصبه في مجلس الشيوخ ليس بسبب معارضته للرئيس، وإنما بسبب فقدانه الاتصال والتواصل مع دائرته الانتخابية.
علاوة على ذلك فإن هامش الأصوات الذي يتمتع به الجمهوريون في مجلسي الكونجرس لا يعني تلقائيا أن الرئيس سيضمن الموافقة على اقتراحاته التشريعية، لأنه سيكون مضطرا- حتى بعد ذلك- إلى الدخول في جدل مع بعض أعضاء الحزب الجمهوري من ذوي التوجهات الليبرالية في قضايا وموضوعات معينة مثل القضايا الاجتماعية وموضوع الخفض الضريبي. وحتى في مجلس النواب حيث هامش الأصوات الجمهورية أعلى من مثيله في مجلس الشيوخ، وحيث درجة الانضباط أكبر، فإن الرئيس يجب ألا يتوقع أن يحصل على موافقة تلقائية على اقتراحاته.
ويشار في هذا الصدد إلى أن بعض المحافظين مثل النائب "مايك بنس" من ولاية إنديانا، و85 من زملائه في لجنة الدراسات بالمجلس، يتأهبون الآن لمعارضة أية إجراءات أو فواتير متعلقة بالإنفاق يمكن أن تؤدي إلى زيادة