تقيم حالياً الجهات الطبية الحكومية والخاصة، والمنظمات الخيرية العاملة في القطاع الصحي حول العالم، العديد من الفعاليات والأنشطة، احتفالا باليوم العالمي للمتبرعين بالدم (World Blood Donor Day)، والذي يحل كل عام في الرابع عشر من شهر يونيو. وتحمل فعاليات وأنشطة هذا العام، نسقاً واحداً عنوانه «دم آمن لإنقاذ الأمهات»، في إشارة إلى أهمية الدم المُتبرع به في إنقاذ حياة العديد من النساء والأمهات الجدد، حيث تشير التقديرات، إلى أنه بمرور كل يوم، تلقى 800 امرأة حتفها، نتيجة المضاعفات الصحية المرتبطة، بالحمل والولادة. ويعتبر النزيف الحاد خلال الولادة، وبعد الوضع، من الأسباب الرئيسية لهذه الوفيات، ولتلك المضاعفات الصحية الخطيرة، ولذا تهدف حملة التوعية لهذا العام، إلى زيادة الوعي بأهمية توفر كميات كافية من الدم المتبرع به، ومن مشتقاته، بشكل آمن وسليم، كإجراء أساسي ضمن الجهود الرامية لخفض معدلات الوفيات بين الأمهات الجدد. والدم في الحقيقة هو عبارة عن نسيج، مثله مثل بقية الأنسجة في الجسم، ولكنه نسيج في حالة سائلة، يتكون معظمه من البلازما، الذي تسبح فيها مجموعة متنوعة من الخلايا الحمراء والبيضاء، بالإضافة إلى الصفائح الدموية. وتتركز الوظيفة الأساسية للدم في إمداد الخلايا والأنسجة والأعضاء باحتياجاتها من الأوكسجين والمغذيات والعناصر البنائية الأساسية، مع تخليصها من مخلفات العوامل الأيضية مثل ثاني أوكسيد الكربون. ويعمل الدم أيضا كوسيلة نقل أساسية، تقوم بنقل الخلايا والعديد من المواد، مثل الهرمونات والدهون والأحماض الأمينية بين مناطق وأعضاء الجسم المختلفة. ومنذ بداية التاريخ أدرك القدماء أهمية الدم في الصحة والمرض، فاعتبره «أبوقراط» مثلاً أحد الأخلاط الأربعة، وهم: الدم، والبلغم، والصفراء، والسوداء، والتي أعتقد أنها تقرر صحة المرء ومزاجه. وبخلاف الأهمية الطبية، حمل الدم أيضاً معانٍ أخرى كثيرة، دينية وسياسية واجتماعية. فالثقافة البشرية مليئة بالمصطلحات والأفكار التي تربط بين الدم وبين الكثير من القيم والعلاقات، مثل قرابة الدم، والدماء الزرقاء، وأخوة الدم، وغيرها. وفي العصر الحديث، أصبح نقل الدم، من أهم الأساليب الطبية في علاج العديد من الأمراض، وفي إنقاذ حياة الكثيرين. ويمكن إدراك مدى الأهمية التي يحتلها التبرع بالدم، من حقيقة أن 80 في المئة من الأستراليين سيحتاجون لنقل دم في مرحلة ما من حياتهم. وفي الولايات المتحدة، يحتمل بنسبة 97 في المئة أن تكون على معرفة بإنسان تم نقل دم إليه، أو ربما سيحتاج إلى نقل دم في المستقبل. وتتباين لحد كبير مجالات استخدام الدم المتبرع به بين الدول؛ ففي الدول الغنية يُستخدم الدم بشكل رئيسي في جراحات القلب والأوعية الدموية، وعمليات نقل وزراعة الأعضاء، والإصابات والحوادث الخطيرة، وضمن علاج الأمراض السرطانية. بينما في الدول متوسطة الدخل والفقيرة، نجد أن الدم التبرع به، يستخدم بشكل رئيسي لعلاج المضاعفات الناتجة عن الحمل والولادة، وحالات العدوى بالملاريا بين الأطفال المصاحبة بفقر الدم أو الأنيميا الشديدة، بالإضافة إلى الإصابات الناتجة عن الحوادث. وللأسف، لا يتمكن الكثير من المرضى الذين هم في حاجة لنقل دم أو نقل أحد مشتقاته، من الحصول على احتياجاتهم في الوقت المناسب، أو بالشكل الآمن، ولذا يصبح من الضروري في جميع دول العالم، إنشاء وتفعيل المنظومة الكفيلة بتوفير الكميات الكافية من الدم لتلبية احتياجات الأفراد، والخالية من فيروسات الأيدز، وفيروسات التهابات الكبد، وغيرها من الميكروبات والجراثيم التي يمكن أن تنقل عبر نقل الدم. ومن المعروف أن هدف توفير كميات كافية من الدم الآمن، لا يمكن تحقيقه إلا من خلال قاعدة ثابتة ومنتظمة، من المتبرعين المتطوعين، دون مقابل مادي. ولذا نجد أن منظمة الصحة العالمية دائما ما تحث الدول الأعضاء، على إنشاء، وتفعيل، نظام وطني للتبرع بالدم، تطوعي دون مقابل مادي، إذا ما كان لها أن تلبي احتياجات شعوبها من الدم ومشتقاته. وبالفعل نجحت 71 دولة في توفير 90 بالمئة من احتياجاتها، من خلال التبرع التطوعي دون مقابل، ومن بين هؤلاء تمكنت 60 دولة من توفير كامل احتياجاتها، وبنسبة 100 بالمئة، بالاعتماد على المتبرعين المتطوعين دون مقابل. ولكن للأسف، في 73 دولة أخرى، لم ينجح بعد النظام التطوعي دون مقابل، في تلبية نصف الاحتياجات من الدم. ولذا يظل اعتماد هذه الدول على المتبرعين بمقابل مادي- إن صح التعبير- أو على باقي أفراد الأسرة، والأصدقاء والمعارف، كمصدر رئيسي لتلبية أكثر من نصف الاحتياجات شعوبها من الدم. وجدير بالذكر أن معدلات التبرع بالدم، تتباين لحد كبير بين الدول، على حسب مستوى الدخل القومي والأداء الاقتصادي، فمن بين أكثر من 100 مليون وحدة دم يتم التبرع بها سنوياً، نجد أن 50 بالمئة من تلك الوحدات، يتم التبرع بها في الدول الغنية، التي يشكل سكانها 15 بالمئة فقط من مجمل سكان العالم. وهو ما يعني أن سكان الدول الغنية يتبرعون بالدم، بمعدلات تزيد عن خمسة أضعاف، معدلات التبرع من سكان الدول متوسطة الدخل والفقيرة.