يُعد التوجّه نحو شراء الأغذية العضوية ميلاً شخصياً لفعل الأشياء الصحيحة، وذلك لأنك تدفع أكثر لاستهلاك منتجات زراعية تعتقد بأنها ذات قيمة غذائية أعلى وأضرار صحية وبيئية أقل طالما أنها تستزرع من دون استخدام المواد الصناعية أو الكيميائية السامة، كالأسمدة المركبة ومبيدات الحشرات. وعلى أن هذا التصوّر الشائع، المبني على المعتقدات الشخصية أكثر مما هو مبني على الحقائق العلمية، فإنه يفسر سبب الإقبال الكبير على المنتجات الغذائية العضوية الذي نشهده الآن، فقد تضاعفت مبيعاتها في الولايات المتحدة أكثر من ثلاث مرات خلال العقد الماضي حتى بلغت 30 مليار دولار سنوياً، وفي مقابل ذلك، سجلت مبيعات الأغذية التقليدية (غير العضوية) نمواً هزيلاً بلغ 2 في المئة سنوياً. وتبقى هناك مشكلة مهمة تكمن في أن كافة المفاهيم المرتبطة بطرق زراعة المنتجات العضوية تفتقد للأساس العلمي، وحقيقة الأمر أن هناك دليلاً على أن المزارع العضوية تسبب تلوث البيئة أكثر من المزارع التقليدية، وأن المنتجات الزراعية العضوية تحتوي على معدلات من المواد السامة تفوق تلك التي تحتوي عليها بقية أنواع الأغذية. ومثلما هي الحال في كافة المزارع، يعتمد مزارعو المنتجات العضوية على الأسمدة الطبيعية وخاصة منها مخلفات الحيوانات وبقايا النباتات أكثر من المواد الكيماوية المشتقة من المواد البترولية، كالأسمدة الصناعية ومبيدات الحشرات. وأثبتت دراسة ميدانية أجريت في مزرعة نموذجية أن استخدام البقايا الحيوانية أدى إلى تسرب أكثر للمركبات الغازية الآزوتية (النيتروجينية) إلى المياه الجوفية بالمقارنة مع طرق التسميد التقليدية. وأشارت الدراسة إلى أن التلوث بالنيتروجين يعدّ أحد أهم أسباب إغلاق آبار المياه الصالحة للشرب في بعض الولايات الأميركية. ولابد من الإشارة هنا إلى أن المركبات النيتروجينية التي تنتج عن الزراعة، تعد من أكثر المواد الملوّثة للبيئة انتشاراً بعد الطحالب والفطريات، وهي تقتل الأسماك، وتسبب تلوثاً خطيراً للمياه حتى تصبح خالية تماماً من كل مظاهر الحياة، وهذا بالضبط ما حدث في المناطق الزراعية المجاورة لخليج المكسيك في الولايات المتحدة. وتوصلت دراسة موسعة أجريت على 12 من المنتجات الزراعية المختلفة في كاليفورنيا، إلى أنه من بين 7 حالات، كانت الأساليب الزراعية التقليدية تحرر انبعاثات أقل من غازات مفعول البيت الأخضر (وأهمها غاز ثاني أوكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والنشادر أو الأمونيا)، ويكمن السبب الأساسي الذي يقف وراء هذا الفرق في أن الزراعة التقليدية أكثر فعالية من الزراعة العضوية، وهذا يعني أنها تتطلب استخدام مواد أقل لإنتاج الكمية نفسها من الغذاء. وهذه النتائج تسيء كثيراً للسمعة التي حظيت بها الزراعة العضوية خلال السنوات الأخيرة. وكانت دراسات تحليلية تمثل نتائج أكثر من 100 بحث حول الأساليب المثلى للزراعة في أوروبا، نشرت عام 2012، قد أشارت إلى أن الحصول على نفس الكمية من الغذاء بطريقة الزراعة العضوية يؤدي إلى إطلاق كمية أكبر من غاز النشادر (الأمونيا)، وبقية أنواع أكاسيد النيتروجين، وخاصة منها أوكسيد النيتروجين الثنائي N2O. وفيما تتطلب الزراعة العضوية استهلاك كمية أقل من الطاقة، إلا أنها تؤدي إلى استنزاف الأراضي الزراعية وزيادة حموضة التربة. ويقول حنا تيوميستو المشرف على هذه الدراسات والبروفيسور في جامعة أوكسفورد: « يعتقد العديد من الناس أن للزراعة العضوية تأثيرات ضارة على البيئة أقل بكثير من تلك التي تنتج عن الزراعة التقليدية، إلا أن التجربة العملية تثبت بأن هذا الاعتقاد غير صحيح، وفيما تكون لبعض التطبيقات الزراعية العضوية أضرار بيئية أقل من تلك التي تنتج عن الزراعة التقليدية، فإن النتائج التي تم نشرها مؤخراً لهذه الدراسات، تثبت أن لبقية تطبيقات الزراعة العضوية تأثيرات أكثر خطراً على البيئة، ويكون من الضروري أن يفهم الناس أن وسم علب المنتجات الغذائية بكلمة «عضوية» لا يعدّ ضمانة أكيدة إلى أنها من المنتجات الصديقة للبيئة. وفي المزارع العضوية، غالباً ما يُسمح للحيوانات بطرح بقاياها ومخلفاتها في أي مكان. ثم تقوم الأمطار بعد ذلك بغسل هذه المخلفات وصبّها في الجداول المائية والأنهار المحلية، ما يؤدي إلى تلوثها، وفي الزراعة التقليدية، يتم جمع المخلفات الحيوانية وحفظها في أماكن مغطاة، وهذا يمنع تعرضها لمياه الأمطار التي يمكن أن تتلوّث بها. أما من ناحية الفوائد الصحية، فإن البحوث دلّت على عدم وجود فروق مهمة من حيث القيمة الغذائية بين الأغذية العضوية والتقليدية. وفي بعض أنواع المنتجات الغذائية العضوية، وخاصة منها تلك التي تعتمد في زراعتها على التسميد المكثّف بالمخلفات الحيوانية، تكون نسبة المواد السامة أعلى مما هي في المنتجات الغذائية التقليدية. ووجدت دراسة أجريت في بلجيكا أن القمح العضوي المزروع في الشتاء يحتوي على نسب أعلى من أيونات (شوارد) الرصاص والكادميوم السامة من تلك التي توجد في القمح المستزرع بالطريقة التقليدية. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن نسب هذه السموم أقل من تلك التي يمكن للجسم تحملها، كما يمكن إزالتها عن طريق معالجة القمح بعد حصده، وهذا يطرح التساؤل التالي: هل أصبحت قلقاً من تناول الأغذية العضوية؟ والجواب ينبغي أن يكون «لا»، رغم الأهمية التي ينطوي عليها التعرف على هذه التفاصيل والحقائق العلمية. ---------- جيمس جريف ---------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»