من أمارات السعادة للشعوب والدول أن تكون محوطة بالأصدقاء، الذين يطمئنونها في محنتها: ألا تخافوا ولا تحزنوا، ألا تقلقوا لأننا معكم، نحن إخوتكم ولن نترككم للضواري، ولن نسلمكم، بل سنقاسمكم اللقمة، وسنخفف آلامكم، ونسند ظهركم، وهذا ما عرفه المصريون من إخوتهم في السعودية والإمارات. حتى الدول العظمى والإمبراطوريات الكبرى تحتاج في محنتها من يقف معها. ويمكن استذكار موقف أميركا في الحرب العالمية الثانية ودعمها لبريطانيا، لقد وجدت بريطانيا نفسها وحيدة أمام القوة الكاسحة للألمان. إن خطب تشرشل التي ألقاها مراراً حول موقف أميركا من الحرب تعبر بصراحة عن الأمان والأمل الذي رسمته مواقف روزفلت، ومع أن البريطانيين هم من أعظم الأمم التي عرفها التاريخ بأساً وعناداً وثقة بالنفس، واعتداداً وفخراً، إلا أنهم كانوا بحاجة إلى من يقف معهم، فليس ثمة أقسى من أن تشعر أمة بأنها تواجه الدمار وحدها. كان روزفلت قد وضع شروطاً قاسية على بريطانيا إذا انتهت الحرب، منها ألا تعود بريطانيا إلى أحلام الإمبراطورية مرة أخرى، وأن تنسى بريطانيا العيش في الماضي، وكثيراً ما انتقد روزفلت تشرشل بحضوره وفي غيابه، أنه كيف تسمح بريطانيا التي استعمرت غانا مائتي سنة، بأن يبقى الغانيون يعيشون حياة بدائية تعود لخمسة آلاف عام. ومع أن هذا كان هو ما يزعج تشرشل ويحمله على التذمر، إلا أن البريطانيين علموا أنهم قد كسبوا حليفاً يمكن الوثوق به لعقود قادمة، وانصاعوا بعد ذلك للتحول العظيم بالتخلي عن مستعمراتهم، والتزموا طوال سنتين بعد الحرب بألا تجوع ألمانيا، على رغم إفلاس الإمبراطورية وظروفها الصعبة وقسوة الطبيعة والدمار الشامل الذي أصابها، وجاء مشروع مارشال لإعمار أوروبا متخماً بالشروط التي أذعنت لها أوروبا الغربية لتهيئها لعهد جديد. لقد وعد البريطانيون غاندي أثناء الحرب باستقلال الهند إن هو أقنع الهنود بالوقوف مع بريطانيا، إلا أن الرافعة الحقيقية والمحرك الأكبر لتحقيق هذا الحلم، كان قوة عظمى صاعدة من وراء الأطلسي. كان أحد أسباب إطالة الحرب هو إصرار روزفلت على استسلام غير مشروط لألمانيا واليابان، إلا أن هذا الشرط القاسي كان هو العامل الرئيس في تهيئة القارة لما بعد الحرب، كان لابد أن تصل الأمور إلى القاع، ليمكن البناء، وتدشين عهد جديد لا يسمح للأقوياء بالتنمُّر، وأي حل أسوأ من أن تعيش الشعوب المنهكة عالقة بين عهدين، بين ماضٍ لم يمت، ومستقبل لم يولد بعد، أو أن تعيش عدة عصور في آن واحد. يحكي غلوب باشا في مذكراته عن علامات الانحطاط في الأمة البريطانية التي بدأت تنخر فيها منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وقبل 2011 تناولت نخبة من مثقفي مصر ومفكريها أسباب التحول المريع في أخلاق المصريين، وانتشار روح «الفهلوة»، وتآكل القيم الرفيعة في معظم الشرائح والطبقات، وهو في الحقيقة تدهور ليس حكراً على المصريين، بل هو داء بدأ ينخر في شعوب الجزيرة العربية، وهو السؤال نفسه الذي طرحه مؤرخ الشام محمد كرد علي حين كتب عن أخلاق أهل الشام، ولكن المصريين كانوا أكثر شجاعة في طرح هذا السؤال، و«عمارة يعقوبيان» الرواية- الفيلم تكاد تكثف هذا التحول المريع، والمصريون اليوم هم في حاجة إلى أن يكملوا طرح السؤال، ويتلمسوا ما الذي أحدثته فيهم ثلاث سنوات ونصف كانت قاسية عليهم، ولكنهم بالتأكيد -وهم أكثر قدرة على الإجابة من التونسيين والليبيين والسوريين- حين يواجهون هذه الحقيقة لا يساعدون أنفسهم فحسب، بل يساعدوننا نحن أيضاً لمعرفة ما الذي حدث في مصر أم الدنيا.