بحضور عشرات الوفود الأجنبية وممثلي الدول، أعلن بيترو بوروشينكو مد يده إلى كل من يسعون للسلام في شرق أوكرانيا، مشدداً على ضرورة الحوار مع روسيا، خلال الحفل الذي أقيم في كييف السبت الماضي، لتنصيبه رئيساً جديداً منتخباً لأوكرانيا. وكان الرئيس الأوكراني المنتخب قد التقى، الجمعة الماضي، الرئيس الأميركي الذي أكد دعم بلاده لأوكرانيا، كما أجرى لقاءً مع الرئيس الروسي على هامش إحياء ذكرى إنزال النورماندي في فرنسا. ومن هناك عاد إلى أوكرانيا ليبدأ ولاية رئاسية مثقلة بالأزمات، وبصراع مسلح في شرق البلاد، علاوة على إدارة العلاقة الصعبة مع روسيا، وإعادة إنعاش الاقتصاد الأوكراني الذي أصابت الأزمة السياسية والأمنية معظم قطاعاته بالشلل.. فهل بإمكان بورشينكو التغلب على هذه التحديات مجتمعة؟ وقد فاز بوروشينكو بانتخابات الرئاسة المنظمة في الخامس والعشرين من مايو المنصرم، والتي نافسته فيها رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو، حيث استطاع حسم المنافسة في شوطها الأول بحصوله على 54?7 في المئة من أصوات الناخبين، وسط تحديات نوعية عويصة تواجهها أوكرانيا في ظل حركة «أوروميدان» التي استطاعت خلع الرئيس فيكتور يانوكوفيتش من الحكم، لكنها اصطدمت بانتفاضات في الأقاليم المؤيدة لروسيا في شرق وجنوب أوكرانيا. وبوروشينكو، سياسي ورجل أعمال أوكراني ثري، كان وزيراً للخارجية ثم وزيراً للتجارة حتى أواخر عام 2012. وقد ولد عام 1965 في مدينة بولهارد بإقليم أوديسا في جنوب غرب أوكرانيا. وفي عام 1989، حصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة كييف. وبعد تخرجه، أسس شركة تجارية لحبوب الكاكاو، واستطاع في منتصف التسعينيات شراء العديد من شركات ومصانع الحلويات، ليقوم بدمجها في مجموعة «روشن» التي أصبحت أكبر منتج للحلويات على مستوى أوكرانيا، مما أكسبه لقب «ملك الشوكولاته». ولتنويع نشاطه التجاري، استحوذ على مواقع لإنتاج السيارات والحافلات، وعلى حوض لبناء السفن، فضلا عن القناة التلفزيونية «كانال5» ومجلة «كوريسبوندانت»، وبلغت ثروته نحو 1?6 مليار دولار، وفقاً لمجلة «فوربس». واستطاع بوروشينكو تحويل رأسماله المادي إلى رأسمال سياسي، فترشح للانتخابات البرلمانية عام 1998 ليصبح عضواً في البرلمان الأوكراني (الرادا) ممثلا لـ«الحزب الديمقراطي الاجتماعي في أوكرانيا الموحدة»، والذي كان في حينه أكبر حزب داعم للرئيس ليونيد كوتشما. لكنه غادره في عام 2000، ليؤسس حركة «التضامن»، قبل أن يتخلى عنها في العام التالي ويشارك في تأسيس «حزب المناطق» كأكبر حزب داعم لكوتشما. ثم غير بوروشينكو موقفه مرة أخرى في ديسمبر 2001، وانتقل من الموالاة إلى المعارضة وأصبح رئيساً لحملة فيكتور يوشينكو، مرشح تحالف المعارضة «أوكرانيا لنا». وخلال الانتخابات البرلمانية لعام 2002، فاز التحالف بأغلبية برلمانية وأصبح بوروشينكو أحد ممثليه في البرلمان، ليرأس لجنة المالية والموازنة، وليصبح أحد الممولين الرئيسيين للثورة البرتقالية بقيادة تحالف «أوكرانيا لنا». وبعد انتخاب يوشينكو لرئاسة الجمهورية، في يناير 2005، أصبح بوروشينكو أحد المستشارين المقربين منه، ثم عينه أميناً عاماً لمجلس الدفاع والأمن القومي، لكن تهماً بالفساد أثيرت ضده في سبتمبر من العام نفسه، لمحاولته -مع الملياردير فيكتور بينتشوك- الاستفادة من خصخصة «نيكوبول فيرالواي» المملوكة للدولة، عن طريق شرائها بـ80 مليون دولار، بينما قُدرت قيمتها الحقيقية بنحو مليار دولار. وعقب أزمة نقص الثقة وشبهات الفساد المتتالية داخل البيئة السياسية الأوكرانية، وجد يوشينكو نفسه مضطراً لإقالة بوروشينكو من رئاسة مجلس الدفاع والأمن القومي، كما تحتم على حليفتهما السابقة (ومنافستهما في حينه)، يوليا تيموشينكو، الاستقالة من منصبها كرئيسة للحكومة. لكن بوروشينكو استعاد مقعده في البرلمان خلال الانتخابات التشريعية لعام 2006 كأحد ممثلي تحالف «أوكرانيا لنا»، وترأس لجنة المالية والبنوك. وفي أكتوبر 2009، عينه يوشينكو وزيراً للشؤون الخارجية ليقوم بدور كبير في ترشيح أوكرانيا لعضوية «الناتو». وعرف المشهد السياسي الأوكراني تحولاً دراماتيكياً آخر في انتخابات يناير 2010 الرئاسية، والتي تنافس فيها زعيما تحالف «أوكرانيا لنا»، يوشينكو وتيموشينكو، حيث حل الرئيس المنتهية ولايته في المرتبة الثالثة بعد تيموشينكو، لكنهما معاً خسرا في مواجهة رئيس الوزراء الأسبق فيكتور يانوكوفيتش الذي فاز بالجولة الثانية من الانتخابات. فقرر طيف عريض من قوى الثورة القبول بالأمر الواقع والدخول في تحالف مع الرئيس المنتخب، ومنهم بوروشينكو الذي أصبح، في مارس 2010، وزيراً للتجارة والتنمية الاقتصادية ضمن أول حكومة في عهد يانوكوفيتش، وهو المنصب الذي بقي فيه حتي نوفمبر 2012. وفي هذه المرة قرر مغادرة السفينة الغارقة متخلياً عن حلفائه في كراسي الحكم ومنضماً إلى المعارضة في ميدان كييف، والتي استطاعت أخيراً إسقاط يانوكوفيتش، وإن بكلفة باهظة للغاية حتى الآن. وكان من أخطاء «الثورة» قرارها المتسرع بإلغاء اللغة الروسية كلغة رسمية ثانية للبلاد، مما أثار حفيظة سكان المناطق الشرقية وأشعل اضطرابات باتت تأخذ منحى انفصالياً متزايد الحدة. وهذا ما يبدو أن بوروشينكو أراد القول في خطابه الأول إلى الشعب، السبت الماضي، إنه على وعي بخطورته وبصدد إيجاد حل لتفادي تداعياته، حيث توجه إلى سكان تلك المناطق ليعدهم بإلغاء المركزية في السلطة وضمان الاستخدام الحر للغة الروسية. وإن كانت مناطق الشرق تمثل أداة بيد موسكو لإثارة المتاعب لأي نظام يعاديها في كييف، فإن بإمكانها الضغط من خلال ملف الغاز الطبيعي، سواء فيما يتعلق بتوفيره بالكميات والأسعار المطلوبة، أو عبر التلويح ببناء خط أنابيب بديل للخط الحالي الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي الأوكرانية، الأمر الذي يحرم كييف من ميزات عديدة. لذلك يحرص بوروشينكو على تجنب الصراع غير المتكافئ مع روسيا، والتي نشرت 50 ألف جندي على الحدود الشرقية لأوكرانيا، وفصلت منطقة شبه جزيرة القرم وضمتها إليها، وواصلت تشجيع الحركات الانفصالية في المناطق الشرقية. ورغم ما يقال عن وجود مصالح تجارية تربط بوروشينكو بروسيا، فقد شدد في خطاب تنصيبه على الخيار الأوروبي لأوكرانيا»، ووعد بتوقيع الشق الاقتصادي من اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، وقال إن «الأوكرانيين انتزعوا لفترة طويلة من أوروبا، لكننا اليوم نعود إلى بيتنا، إنها عملية لا رجعة عنها». وسيحتاج بوروشينكو لمهارات غير عادية كي يوفق بين نهج التفاهم لإحلال الوفاق مع روسيا وبين المضي قدماً نحو الخيار الأوروبي كمستقبل لأوكرانيا. ولعل الشهور القليلة القادمة ستظهر ما إذا كان الرئيس الأوكراني الجديد يملك الإمكانات اللازمة، وما إذا كانت الظروف الموضوعية، محلياً وإقليمياً، تسمح بإنفاذ مثل هذه المعادلة شديدة الدقة والحساسية! محمد ولد المنى