تنشر «دار الكتاب الجديد المتحدة» في بيروت أخيراً ترجمةً ممتازةً لكتاب جون رولز (المتوفى عام 2002): «نظرية العدالة». وكان هذا الكتاب الصادر عام 1972 قد ترك تأثيرات هائلة في الفلسفة السياسية، غيَّرت من مسارات التفكير فيها خلال أربعين عاماً الماضية. وكنتُ قد قرأتُ الكتاب في الثمانينيات، لكنني ما تنبهتُ لخطورته في المجال الفلسفي العام إلا عندما بدأْتُ أقرأُ لفلاسفة التأويل مراجعات له وملاحظات واستدراكات عليه. وممن قام بذلك غادامر وبول ريكور وماكنزي وولزر، وكثيرون من علماء القانون والعلوم السياسية وعلماء الاقتصاد. والنموذج الذي يعرضه رولز باعتباره الإمكانات الواقعية التي تستطيع الدولة الليبرالية الغربية بلوغها، نقطتُهُ المركزية: «العدالة التوزيعية» التي تتجاوز في أفقها المفتوح توجهات النفعيين والجمعاويين والفردانيين على حد سواء، عندما تعتبر أنه يمكن إقامةُ توازن دقيق في النظام السياسي بين الحريات الفردية وقوة الدولة. وأنّ هناك مبدأين يتنازعان الفلسفة السياسية أو فلسفة الدولة: مبدأ الخير الاسمى أو السعادة، ومبدأ العدالة. وأنه فيما يتعلق بالأديان والفلسفات الكبرى فإن مبدأ الخير يشـكل أفقاً لحياة البشر وإنسانيتهم، أما في مجال فلسفـة الدولـة وعملها فـإن مبدأ العدالة، هـو الذي ينبغي أن يسـود بدون منازع. ويرجع ذلك إلى الارتباط القائم بين العدالة والمساواة (= المواطنة) من جهة، وإلى أنه في مجال عمل الدولة فإن الانتصار لمسألة المواطنة يقتضي اتخاذ قوانين وإجراءات تجعل من المبدأين معاً ممكنَي التصور والتحقق. قلتُ إن كتاب رولز الذي كان أستاذاً لفلسفة القانون بجامعة هارفارد طوال خمسين عاماً، فتح آفاقاً في عدة مجالات فكرية وسياسية وقانونية واقتصادية. لكنه بعث على اهتمامات في المجالات الفلسفية المختلفة، عندما قرأ قيمة «الخير» بطريقة جديدة. فقد اعتبر أنها يمكن أن تكون قيمة سياسية، لكنه قدم عليها مبدأ العدالة أو قيمتها للخصوصيات التي تعنيها تجربة الدولة والنظام السياسي لبني البشر. أما قيمة الخير الاسمى أو العام فهي شأن ديني وأخلاقي، ويتعلق بأخلاق الواجب، وإنسانية الإنسان، ويعلو أو قد يعلو على فكرة العدالة في غير مجال عمل الدولة. وبعبارة أخرى فإن مسألة الخير العام أو فكرته تغلب فيها النزعة الفردية، وهذا معنى اتصالها بنظرية كانط في «أخلاق الواجب»، واتصالها من ناحية أخرى بالإحساس الأخلاقي الذي تتأسس عليه فكرة العدالة. الفيلسوف الأميركي ولزر، وتحت تأثير حرب فيتنام، مضى مباشرةً للملاحظة والاستكمال إلى «الحرب العادلة»، وتسويغاتها اللاهوتية لدى اليهود والمسيحيين في الأزمنة القديمة والوسيطة، وتسويغاتها السياسية في نظريات الحرب والسلام في زمن الدولة القومية، وزمن الحروب العالمية. وجرّب جون كلسي، أستاذ الأخلاقيات الأميركي، استخدام بدايات رولز وولزر لبحث مسألة «الحرب العادلة» وإمكانات وجودها في الفكر الإسلامي الوسيط والحديث، فوجد أن المسلمين يعتبرون الحروب الدفاعية حروباً عادلة، بيد أن بعضهم يوسِّع معنى الدفاع ويُدخل مسألة «التهديد» أو إمكانه ضمن قضية «ردع العدوان». أما في الأزمنة المعاصرة، فحدث اضطراب شديد لدى الفقهاء المسلمين في إدراكات العنف والحرب، بسبب إشكاليات الاستعمار، والعنف الداخلي الذي تمارسه الدولة أو يمارسه المتمردون عليها. ولنمضِ باتجاه آخر من اتجاهات تأثير جون رولز: اللاهوت والتأويل. بول ريكور الفيلسوف التأويلي الكبير، راح يدرس علائق المحبة المسيحية بالعدالة. وبعد طواف شاسع اعتبر أن للمحبة تأثيراً كبيراً في الإحساس بضرورات الإنصاف. والإنصاف الناجم عن الحب يمكن أن يكون إنصافاً من الذات، وعملاً على إنصاف الغير. وقد تتبع سائر هذه الإمكانات في أعمال لاهوتيين قُدامى ومُحْدَثين. إنما في الوقت ذاته، ما أمكن اعتبار مبدأ الخير أو مبدأ المحبة، أساساً للاهوت سياسي أو فلسفة للدولة. وقد احتاجت الكنيسة عندما أرادت تبرير تدخلها في الشأن السياسي إلى إدخال فكرة القانون الطبيعي، باعتبارها قرينته الفطرية أو الطبيعية. وربما أمكن اعتبار ذلك كله من الخير، إنما ليس من المحبة! وهذا الاستدراك أدخله في الاعتبار تشارلز تايلور في كتابه «الزمن العلماني». أما في المجال الإسلامي؛ فإن مايكل كوك، صاحب الكتاب الضخم: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي» (وقد ترجمتُه مع زميلين آخرين عام 2009) فقد اعتبر هذا المبدأ (مبدأ تحقيق المعروف أو الخيِّر، وردْع الشر والظلم) هو الذي تتأسس عليه في الإسلام فكرة أخلاق الواجب (الفردي والجماعي). ومع أنني ترجمتُ الكتاب (وهو عظيم الأهمية)؛ فلا أزالُ أرى أن مفهومي المعروف والمنكر ليسا مفهومين لاهوتيين أو كلاميين بالتحديد، وإنما ينبغي البحث عن المفهوم الأعلى أو القيمة العليا في علم العقيدة أو أصول الدين. وبالفعل فإن لدينا في الإسلام مذهبين كلاميين رئيسيين: مذهب المعتزلة (التوحيد والعدل)، ومذهب الأشاعرة (الرحمة والفضل). والرحمة والعدل صفتان لله عز وجل، في تعامُله مع عباده. وبينما يذهب المعتزلة إلى أنّ المقتضى الرئيس للوحدانية والتنزيه هو العدل بين العباد (أي حرية المخلوق في أفعاله، وضرورات الثواب والعقاب بحسب الفعل، من جانبه عز وجل)؛ فإن الأشاعرة يرون أن المقتضى الرئيس أو الصفة الأعلى له عز وجل هي الرحمة، لقوله: «كتب على نفسه الرحمة». فالرحمة تُقارنُ الخير وتُقارنُ المحبة في اللاهوت المسيحي، على أن الرحمة والخير لا يبدوان مترادفين دائماً في القرآن. ورغم أن المعتزلة اعتبروا «الأمر بالمعروف» ضمن أُصولهم الخمسة، فما اهتموا حقاً بعمل الدولة، بينما اشتغل الفقهاء الأشاعرة كثيراً على مسألة العدالة (أو الإنصاف) في الأخلاق الفردية، وفي عمل الدولة. أما العلاقة بين الرحمة والعدل في المجال العام، فلا تظهر إلا في مؤلفات وكتب النصائح السياسية. وهذا يعني أنه لدى «الفقهاء الدستوريين» القُدامى؛ فإن المقدَّم في عمل الدولة والسلطان مبدأ العدل، باعتباره قاعدة أخلاقية وسياسية وقضائية. أما كُتّاب النصائح فيرون أن السلطة إن لم تلتزم بالعدالة باعتبار ذلك واجباً، فلتلتزم بالرحمة لأن الراحمين يرحمهم الرحمن، ولأن الرحمة تجاه الرعية تُطيل أمد المُلْك. إنما لنعُدْ إلى مسألتين أخيرتين، أولاهما: كيف يظهر تأثير كل من علمي الكلام لدى المعتزلة وأهل السنة في المجالين الفردي والعام؟ وثانيتهما: هل تفيد التأويليات في إحداث علاقة جديدة بين الدين والسياسة قائمة على الالتزام المتبادل بدوافع قيمية وأخلاقية؟ المسألة الأُولى شديدة الأهمية لأنها شكلت رؤى مختلفة للإنسان والعالم، استناداً إلى قراءتين مختلفتين للقرآن. أما المسألة الثانية فيمكن القول إنها صحيحة من حيث المبدأ. فالتأويليون ينفتحون على «تقاليد» في القراءة المتعددة للنص، والمذاهب الدينية المختلفة نتيجة ذلك. لقد مضى زمان كانت تسوده القطيعة (المعرفية والتاريخية) مع الدين، وبخاصة الإسلام. وينفتح أمامنا اليوم سبيل مغاير يغادر الأصوليات والراديكاليات.