يُنقل عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها قالت في معرض حديثها عن الاتحاد الأوروبي: إن هذا التكتل الاقتصادي الذي يضم 28 دولة يمثل مجتمعاً 7 في المئة من سكان العالم، ويصل إسهامه في الاقتصاد العالمي حولي 25 في المئة، بينما ينفق على دولة الرعاية والاستحقاقات الاجتماعية 50 في المئة من إجمالي ناتجه المحلي، ما يعني أنه لكي تتمكن أوروبا من منافسة القوى الاقتصادية الصاعدة عالمياً عليها تقزيم دور الدولة والرفع من كفاءتها. هذه هي الفكرة الأساسية التي ينطلق منها رئيس تحرير مجلة «الإيكونمست»، جون ميكلثويت، ومعه الصحفي الآخر بنفس المجلة، أدريان وولدريدج، ليبسطانها بكثير من التفاصيل في كتابهما «الثورة الرابعة.. السباق العالمي لإعادة اختراع الدولة». فالدولة حسب الكاتبين، ما عادت هي نفسها على مدى السنوات الماضية، بل تحولت إلى أداة لتكريس المنافسة والفاعلية، أو هذا على الأقل ما باتت تنتهجه دول آسيا الصاعدة، ما يحتم على الغرب التخلي عن بعض أفكاره القديمة حول الدولة ووظائفها التقليدية. ويبدو أن الكاتبين يدافعان في المجمل عن الفكرة الليبرالية القائلة بتقليص دور الدولة في الحياة العامة والانتقال بها إلى نموذج أشبه بالدولة الرشيقة التي يقل حضورها في تدبير حياة الناس، على غرار الدولة الآسيوية التي تتسامى على الصراعات الديمقراطية وأوجه قصورها أحياناً لاتخاذ القرارات الحاسمة. لكن المنافسة والفعالية في الإدارة، كما يوضح المؤلفان، لا تعني تخلي الدولة عن أدوارها الأساسية، لاسيما في التعليم والصحة، بل فقط جعلها أكثر فاعلية. ومن هنا حديث الكتاب عن «الثورة الرابعة» التي بموجبها يعاد النظر في طبيعة الدولة ونقلها من موجه ومتدخل أساسي إلى مسهل للمنافسة وحامٍ للمواطنين، دون أن يعني ذلك المزيد من الإنفاق على الاستحقاقات الاجتماعية، بل من خلال تسخير الاختراقات التكنولوجية الجديدة، لاسيما الإنترنت، وتوظيفها لتقديم خدمات ذات جودة عالية، وبحد أدنى من الكلفة. غير أن هذه المراجعة لمهام الدولة ووظائفها، أو «الثورة الرابعة»، تستدعي مراجعات فرعية على أهم مبدأ ليبرالي، ألا وهو الديمقراطية. فقد تحولت هذه الأخيرة في بعض جوانبها، كما توضح الحالة الأميركية، إلى وضع صعب يعطل المشاريع ويضع العراقيل أمام القوانين المهمة، ما يعني ضرورة إصلاح الديمقراطية وليس التخلي عنها. ومن الإصلاحات التي يشير إليها الكتاب؛ الحد من كثرة الجهات التي تملك حق الاعتراض، كما هو الوضع حالياً في الديمقراطية الأميركية. وهناك اقتراح آخر بفتح الانتخابات التمهيدية داخل الأحزاب أمام الاقتراع العام، بحيث يصبح التصويت هو المحدد الأول لاختيار مرشحي الأحزاب وليس قصرها فقط على التوافقات الداخلية، إذ من شأن ذلك تقليل إمكانية صعود المرشحين المتطرفين وإرغام قيادات الأحزاب على الجنوح إلى الوسط. ومن المراجعات الأساسية لدور الدول إعادة الشعور بالأمن الاقتصادي للمواطن في الغرب عموماً، ولعل ما شهدته انتخابات البرلمان الأوروبي مؤخراً من صعود لافت لأحزاب اليمين المتطرف خير دليل على إحساس مزمن لدى شرائح واسعة من المواطنين بانعدام الأمن في المستقبل، لاسيما في ظل أزمة اقتصادية ما زالت تداعياتها مستمرة حتى الآن. فدون الاهتمام بالطبقة الوسطى وتقديم خدمات أفضل، قد تواجه الدولة خطر التآكل داخلياً، وفقدان مصداقيتها وقدرتها على التدخل لإحداث التوازن المجتمعي المطلوب. ومن شأن الاهتمام بالطبقة الوسطى كبح صعود اليمين المتطرف. بيد أن الدور الذي يرسمه المؤلفان للدولة في نسختها الجديدة، أو ثورتها الرابعة، لا يبتعد عن السياسة الخارجية. فما قام به بوتين من تحركات مؤخراً أعادت هاجس الاعتبارات الجيوسياسية إلى الواجهة، بعدما اعتقد الغرب أنها صارت من الماضي إثر انتهاء الحرب الباردة، ما يعني أن الغرب في سياق تعزيز قدراته التنافسية في الأداء الاقتصادي والدينامية المجتمعية، عليه أيضاً أن يهتم بالجانب الدفاعي، وتقوية قدرة الدولة على ممارسة القوة في الخارج. وفي هذا الصدد يشير الكتاب إلى تنامي الإنفاق العسكري في الخارج، لاسيما لدى الصين والدول الآسيوية الأخرى، مع تراجع ملحوظ في أوروبا والولايات المتحدة عن التزاماتهما الأمنية في الخارج وتقليصهما للموازنات الدفاعية. فالدول التي يظهر عليها الضعف في الخارج تشجع الدول الأخرى على التمدد. ولعل التحرك الروسي في القرم وأوكرانيا خير دليل على عودة العوامل الجيوسياسية. هذا ناهيك عن تمتيع مواطني هذه الدول بقدرات جديدة لا تتأتى، حسب الكاتبين، إلا بتجويد التعليم والرقي به لمواجهة التحديات الراهنة المتولدة عن العولمة وانتشار الشركات متعددة الجنسيات والحدود المنفلتة من الرقابة.. باعتبارها المشاكل التي تقضم الدولة وتعرضها للانكشاف والضعف. زهير الكساب ------ الكتاب: الثورة الرابعة.. السباق العالمي لإعادة اختراع الدولة المؤلفان: جون ميكلثويت وأدريان وولدريدج الناشر: ألن لين تاريخ النشر: 2014