في خلال فترات وعصور التاريخ المختلفة، مرت النشاطات الاقتصادية المهيمنة داخل غالبية المجتمعات البشرية، بمراحل محددة، وإن كانت متلاحقة ومتراكبة. فبداية كان هناك مرحلة الصيد والجمع، والذي كان النشاط الاقتصادي الغالب والمهيمن حينها لتلبية احتياجات البشر، يعتمد بشكل أساسي على صيد الحيوانات وجمع النباتات البرية. وتلى تلك المرحلة، مرحلة الاقتصاد الزراعي المكثف، الذي تمكن خلاله الإنسان من استئناس بعض النباتات البرية، وخصوصاً الحبوب كالقمح والشعير، وتدجين بعض الحيوانات، وخصوصاً الماشية والأغنام، وبقية الدواب المستخدمة للتنقل والترحال. ومع بدايات الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر، أصبحت اقتصادات العديد من الدول، وخصوصاً الدول الأوروبية الاستعمارية، تعتمد بشكل كبير على عدد كبير من العمالة، المركزة داخل أماكن محدودة، عرفت بالمصانع. ومثلها مثل الثورة الصناعية، أدت الثورة الرقمية التي بدأت في عقد السبعينيات، وبلغت ذروتها في التسعينيات، إلى تحول نوعي في النشاط الاقتصادي المهيمن، وظهور ما أصبح يعرف باقتصاد المعرفة (Knowledge Economy)، والتي حظيت مرة أخرى الدول الغربية، والصناعية سابقاً، بنصيب الأسد منه. ويتداخل اقتصاد المعرفة ذلك، في التعريف والمفهوم، مع ما أصبح يعرف بصناعات الإبداع، أي النشاطات الاقتصادية المعتمد على الابتكار، والاختراع، والاستحداث، والتجديد. ويُِعرّف الإبداع، على أنه حالة يتم فيها خلق أو إنتاج، شيء جديد وذي قيمة، مما يتطلب قدراً مرتفعاً من الذكاء، وخصوصاً في ظل تعدد المجالات والأوجه التي يمكن للإبداع أن يتجسد فيها. مثل الأفكار العلمية، والأدب، والرسم، والموسيقى، والحلول التقنية، والاختراعات، والأيديولوجيات السياسية والاقتصادية، وغيرها من جوانب الحياة الإنسانية المعاصرة. وغالبا ما تتجسد الأفكار والمفاهيم التي ولّدها الإبداع في أشكال مختلفة، وإن كانت غالباً ما تظهر في أشكال يمكن لنا أن نراها، أو نسمعها، أو نشمها، أو نلمسها، أو أن نتذوقها. بينما يشير مفهوم أو مصطلح صناعات الإبداع (Creative Industries)، أو اقتصادات الإبداع، أو أحياناً -في الدول الأوروبية- صناعة الثقافة، إلى مدى واسع من النشاطات الاقتصادية، التي تهتم وتركز، على خلق أو تخليق، واستغلال أو استخدام: المعرفة، والخبرة، والمعلومات، والبيانات. ومن الصعب حصر جميع النشاطات الاقتصادية التي تنبطق عليها الصفة الإبداعية، وإن كان من الممكن الاستدلال بوثيقة صدرت عام 2006 عن دائرة الثقافة، والإعلام، والرياضة في الحكومة البريطانية، وعددت 12 قطاعا اقتصاديا ضمن اقتصاد الإبداع، وهي كالتالي: الدعاية والإعلانات، الهندسة المعمارية، الفنون وتجارة الأثريات، الصناعات اليدوية، التصميم، تصميم الملابس والموضة، صناعة السينما، والفيديو، والتصوير، تصميم برامج الكمبيوتر، وألعاب الفيديو، والنشر الإلكتروني، الموسيقي وفنون الأداء، صناعة النشر، التلفزيون، الراديو. وللوهلة الأولى، وللعين غير الخبيرة، قد تبدو تلك القطاعات الاقتصادية صغيرة الحجم، وقليلة الأهمية، وإنْ كانت في الحقيقة يقدر حالياً معظمها بمئات المليارات من الدولارات. فعلى سبيل المثال، قدر حجم صناعة برامج الكمبيوتر حول العالم عام 2008، بحوالي 303 مليارات دولار (1.2 تريليون درهم)، تستحوذ الولايات المتحدة وحدها على أكثر من 42 بالمئة منها. وإذا نظرنا إلى صناعة ألعاب الفيديو، فيكفي أن ندرك حجمها من حقيقة أن قيمة الألعاب التي يتم تحميلها من شبكة الإنترنت سنوياً، تزيد على 4 مليارات دولار أو قرابة (15 مليار درهم)، وإذا أضفنا قيمة الألعاب التي تشترى مباشرة من المحلات، وأجهزة ألعاب الفيديو مثل "بلاي ستيشن" و"إكس بوكس"، وغيرهما، فسيصل حينها الحجم العالمي لهذا القطاع الاقتصادي إلى 93 مليار دولار، مع التوقع أن يبلغ 111 مليار دولار (410 مليارات درهم) عام 2015. وإذا نظرنا إلى صناعة السينما العالمية، فسنجد أن مدخول هذا القطاع للاقتصاد الأميركي فقط يزيد على 10.5 مليار دولار سنوياً، في الوقت الذي بلغ فيه دخل قناة السويس -أهم مجرى ملاحي في العالم- 5.4 مليار دولار، مما يعني أن هوليوود وحدها تُدخل للاقتصاد الأميركي ضعف دخل قناة السويس. وحتى نيجيريا بلغ مدخول صناعة السينما فيها العام الماضي 3.5 مليار دولار (13 مليار درهم)، بينما يتوقع أن يبلغ دخل صناعة السينما في الهند 3 مليارات دولار بحلول عام 2016. وعلى المنوال نفسه، تنتج بقية قطاعات صناعة الإبداع، مليارات، وعشرات ومئات المليارات، وربما حتى تريليونات الدولارات، وخصوصاً إذا أدرجنا فيه القطاعات الإبداعية غير الثقافية، مثل الهندسة، واكتشاف الأدوية والعقاقير الطبية، وتقنيات الهندسة الحيوية، والتي تقدر هي الأخرى بمليارات الدولارت سنوياً. ومن هذه الأرقام الحالية، والتوقعات المستقبلية، يمكن لنا أن ندرك أن اقتصاد الإبداع، ربما كان من أهم -إنْ لم يكن أهم- القطاعات الاقتصادية حالياً، مقارنة بقطاعات الاقتصاد التقليدية، مثل الزراعة، والصناعة، أو تلك المعتمدة على استغلال الموارد الطبيعية. وخصوصاً في الدول الأوربية والغربية، التي يتضاءل فيها عدد السكان، وتتراجع بين شعوبها نسبة السواعد الشابة، التي يمكن الاعتماد عليها في إدارة وتشغيل القطاعات التقليدية، مقارنة بالدول الآسيوية التي تتمتع بعمالة رخيصة شابة.