آن أوان وصل ما انقطع في تحليلنا لتحولات الشخصية المصرية بعد أن قطعنا السلسلة لكي نتحدث عن أزمة الرأسمالية التي كشف عن أسبابها العميقة عالم الاقتصاد الفرنسي «توماس بيكتيى» في كتابه الذي أثار ضجة عالمية، وموضوعه «الرأسمال في القرن الحادي والعشرين». في المقال الافتتاحي للسلسلة وعنوانه «تحولات الشخصية المصرية» عرضنا لمشكلة الدراسة العلمية للشخصيات القومية، وما أثارته من خلافات بين العلماء الاجتماعيين حول موضوعية هذه الدراسات. وخلصنا إلى أننا يمكن أن نستخدم هذا المصطلح بطريقة منضبطة نظرياً ومنهجياً. واقترحنا أن ندرس تحولات الشخصية المصرية في أربع لحظات تاريخية فارقة هي لحظة هزيمة يونيو 1967، ولحظة انتصار أكتوبر 1973، ولحظة الثورة في 25 يناير، ولحظة الفوضى العارمة عقب 30 يونيو 2014، والتي تسببت فيها جماعة «الإخوان المسلمين». وقد قررنا بصدد لحظة هزيمة يونيو 1967 أنه سادتها «الشخصية الفهلوية»، التي تجلت في عدم قيام الأجهزة السياسية بالمشورة العقلانية اللازمة لجمال عبدالناصر في سياق صنع القرار الخاص بالأزمة، مما أدى إلى تصعيد غير مبرر من الجانب المصري تمثل في قرارات غير مدروسة، كما أن سيادة تقاليد «تمام يا أفندم»، التي تعبر أسوأ تعبير عن «الشخصية الفهلوية»، وادعاء المشير «عبدالحكيم عامر» عن جاهزية القوات المسلحة للدخول في حرب مع إسرائيل، مع أن الحقيقة كانت غير ذلك، كل هذه العوامل، هي التي أدت إلى الهزيمة الساحقة في 5 يونيو 1967. ويبقى السؤال كيف استطاع الشعب المصري أن يخرج من كهوف الهزيمة العميقة، وتتجلى شخصيته الإيجابية التي انبثقت من رماد الانكسار القومي؟ بدأت البشائر بخروج المظاهرات الشعبية الهادرة رافضة قرار الرئيس «عبدالناصر» بالتنحي، ومطالبته بالاستمرار حتى يقود المسيرة من الهزيمة إلى النصر، ثم بعد ذلك مظاهرات الطلبة احتجاجاً على الأحكام الهزيلة، التي صدرت بحق قادة الطيران لمسؤوليتهم عن عدم حماية الطائرات المصرية، التي ضربت، وهي رابضة على الأرض، واضطرار «عبدالناصر» إلى إصدار قرار بإعادة المحاكمة. ولكن أهم من ذلك كله كانت ملحمة إعادة بناء القوات المسلحة التي كلف بها الفريق أول «محمد فوزي»، وعاونه في ذلك اللواء «الشاذلي»، وهي ملحمة متكاملة لم تشمل فقط إعادة التدريب ورفع الكفاءة، ولكن شحذ الروح المعنوية، والاستعانة بخريجي الجامعات للعمل في الأسلحة، التي تحتاج إلى معرفة علمية. وبلغت الشخصية الإيجابية ذروتها في حرب الاستنزاف التي استمرت سنوات استطاعت فيها القوات المسلحة أن تتخطى حاجز الهزيمة، وأن تعبر قناة السويس، وأن تضرب المواقع الإسرائيلية، بل وأن تعود بأسرى إسرائيليين. كل هذه الخطوات الجسورة كانت المقدمة الضرورية لحرب أكتوبر التي شنتها القوات المسلحة المصرية ضد القوات الإسرائيلية المحتلة، بعد أن نجحت بعد معجزة فنية وعسكرية في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف المنيع. كيف يمكن لنا إبراز تجليات الشخصية الإيجابية المصرية في حرب أكتوبر؟ لا أجد أفضل من أن أستعيد سطوراً سجلتها عقب وقوع الحدث التاريخي الجليل، وذلك في مقال نشر بجريدة «الأهرام في 22/1/1974». ليس من شك في أن الأداء البطولي للقوات المسلحة في حرب أكتوبر، وما برز للعالم كله من فاعلية الجندي المصري وجسارته، بالإضافة إلى التخطيط العلمي الدقيق الذي سبق الحرب، قد أدى إلى تغيير ملموس في تقييم الشخصية المصرية لدى العديد من الكتاب والمفكرين. انطلقت شرارة المعركة، واكتسح العبور المصري المجيد الحصون والاستحكامات التي أقامتها التكنولوجيا الإسرائيلية، وفر أو أسر أو قتل عشرات الإسرائيليين المتقدمين العصريين! وقد أدى ذلك إلى الحديث عن إيجابيات الشخصية المصرية بعدما طالتها سهام النقد الجارحة. ترى ما هو تفسير هذا الموقف؟ إن ذلك يرد فى رأينا إلى سيادة نظرة تجزيئية مسطحة للشخصية المصرية. لقد أخطأنا في الموقفين: موقف الهزيمة وموقف النصر. فلا المغالاة في تجريح الذات والتركيز على سلبيات الشخصية المصرية كان يستند إلى أساس علمي، ولا القناعة بتمجيد السمات الإيجابية كفيل بتصحيح الخطأ، أو التخلي عن الأحكام الذاتية غير الموضوعية. كل هذه هي حصيلة منهج تجزيئي معيب في النظر للشخصية القومية بعيداً عن السياق التاريخي الذي تمارس فيه فعلها، تؤثر فيه وتتأثر به. إن الشخصية المصرية ليست قالباً جامداً تتضمن عدداً من السمات الحضارية والنفسية «الغريزية» التي لا تتغير ولا تنال منها رياح الزمان، بل إنها- في التحليل العلمي الدقيق- تعد انعكاساً لنمط المجتمع بما يتضمنه من علاقات اقتصادية متميزة في حقبة تاريخية محددة، مضافاً إليها بعد أساسي، ومهم هو البعد الحضاري، الذي يمتد في الزمان بصورة خفية، قد يستعصي أحياناً على التحليل. ويمكن القول إن الشخصية المصرية صحت من سباتها الطويل، حين تم اللقاء العاصف بين المجتمع المصري المتخلف وبين الحملة الفرنسية التي حملت وقتذاك علامات النهضة الأوروبية ودلائل التقدم العلمي الغربي. منذ ذلك الحين حاول جيل من الرواد العظام تحديث الشخصية المصرية من كل زواياها وأقطارها، ولم تنقطع محاولات التجديد منذ ذلك الحين، وإن كان العامل الأجنبي المتمثل في الاحتلال كان يتعمد إجهاض كثير من هذه المحاولات. وخلاصة ما نريد أن نركز عليه، أن الشخصية المصرية تضم عدداً من السمات السلبية الناجمة عن تخلف أنماط الإنتاج، وعن بقايا السيطرة الاستعمارية القديمة وما طبعته في نفوس البشر، وعن آثار العلاقات الاستغلالية للصفوة المستغلة السياسية والاقتصادية، التي حاولت أن تقضي على كل ما هو نبيل في الشخصية المصرية، لضمان الخنوع السياسي، والامتثال الاقتصادي لهذه الطبقات. غير أن الشخصية المصرية في الوقت نفسه تزخر بعديد من الإيجابيات التي هي ميراث الأجيال المناضلة المتعاقبة، من هنا يمكن القول إن الشخصية المصرية جديرة منا بنظرة علمية متوازنة، لا تسقط في هوة اليأس القاتل بالتركيز على السلبيات، ولا تغامر بالمبالغة الفجة حول الإيجابيات. ومحك إبداعنا الحقيقي هو كيف نخطط للتغيير بصورة عقلانية، وعلى ضوء قيم حضارتنا الأصيلة ذات الجذور الراسخة في تكويننا النفسي والاجتماعي. لا نريد بذلك أن نعود إلى الوراء، كما ينادي بعض المفكرين الرجعيين، فذلك ضد منطق التاريخ، ولكننا لا نريد أيضاً أن نقفز قفزة عشوائية إلى الأمام، تقليداً أعمى لمجتمعات أجنبية تفتقر بعضها إلى أصول حضارية عريقة، أو ما زال بعضها في مرحلة إعادة صياغة الهوية الحضارية بتأثير الثورة العلمية والتكنولوجية. فليس محتماً علينا أن نضحي بأصالتنا في سبيل عصريتنا.