في المقال السَّالف «داروين... هل قرأه المؤيدون بلغته»، أتينا على مَن نقد عالم الأحياء تشارلز داورين (ت 1882) وفكرته في أصل الأنواع، والتي وردت في كتابه «أصل الأنواع بالاختيار الطبيعي»، وهو أمر ليس فيه تشكيك في الدين، إنما كانت نظرية في علم الأحياء. وداروين تناول ذلك عبر علم وتخصص. قرأنا أيضاً أن علم الديالكتيك الماركسي قد اعتمد على ثلاثة إنجازات علمية حصلت في القرن التاسع عشر الميلادي: قانون حفظ الطاقة، واكتشاف وحدة الخلية النباتية والحيوانية، والثالثة ما توصل إليه داروين. وإذا كان نقاد داروين لم يعتمدوا على قراءة نظريته من الأصل الذي كتب به؛ فإن مؤيديه أو المتحمسين له اعتمدوا النصوص المترجمة أيضاً، وهذا مثلما تقدم في المقال السابق، يصح للقارئ أو المقتبس نص منه، لكن لا يصح للذي يتبنى نظرية ويُبشر بها أو يحاول دحضها، فالفعل بين الناقمين والمؤيدين متساو في هذه الحال. ومن جانب آخر إذا كان علماء الدين قد ذهبوا إلى تفنيد نظرية داروين وتحريم تبنيها أو الإطلاع عليها، فإن علماء دين آخرين قد حبذوها، ولم يجعلوها في مقابلة مع الدين. فهذا عالم مدينة طرابلس اللبنانية، أو مفتيها، وهو مرجعية سنية معروفة، حسين بن محمد الجسر (ت 1909)، قد صنّف «الرسالة الحميدية في حقيقة الديانة الإسلامية» (الزركلي، الأعلام)، ثم صنف نجله مفتي طرابلس أيضاً الشيخ نديم حسين الجسر (ت 1980) كتابه «قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن»، وأشار فيه إلى مذهب تشارلز داروين، الذي نشره أول مرة (1859) ببريطانيا، موضحاً الموقف الإيجابي لوالده المفتي في نظرية أصل الأنواع والانتخاب الطبيعي، على أنها علم لا مساس للدين فيه. وقال إن داروين «ليس بفيلسوف، ولا له فلسفة كما تظن، بل هو عالم طبيعي كبير، دفع مذهب التحول دفعة جرئية قوية إلى الأمام» (الجسر، قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن). ليس لدينا علم هل قرأ «الجسر الأب» داروين بلغته، أم اعتمد ما ترجم عنه، من قبل شبلي شميل (ت 1971) مثلا، أم اعتمد على ما نُشر في مجلة «المقتطف»، لصاحبها اللبناني يعقوب صروف (ت 1927)، وزميله السوري فارس النمر (ت 1951). وكانت مجلة علمية غير مريحة للذين لا يقرون التطور ولا دوران الأرض. قدمت «المقتطف» التي صدرت بلبنان (1876) ثم بمصر، دفعات تنويرية، وربما كان أثرها أكثر من حملة نابليون على اتصال الشرق بالغرب، ومتابعة التطور العِلمي آنذاك مقابل جمود عثماني بالمنطقة. كذلك لم يقرأ مؤيد نظرية داوين الأول بالعراق، جميل صدقي الزَّهاوي (ت 1936)، أصل النظرية حتى يقول: «المذهب القوي في رأيي هو مذهب داروين في النّشوء والارتقاء، وقد تبعته، ولم يتبعه غيري قبلي، وقد شاع بسببي في العراق» (الرشودي، الزهاوي دراسات ونصوص). لم يكتف الزهاوي بهذه الجرأة وإنما نظم شعراً يؤكد ميله: «رجعتُ إلى الماضي البعيد بفكرتي/ وقلت لقردِ الغالب ما لكَ مِن قردِ/ تَقلبتَ في الأصلاب دهراً وبعدهُ/ نسلتَ ابنك الإنسان نادرةِ الولدِ (عبد الجبار، النزعة العِلمية في الفكر العربي الحديث). لم يأت هذا الرأي لدى الزهاوي مفاجئاً، وعلى طريقة، مثلما قد يعتقد البعض، «خالف تعرف»، وإنما جاء من توجه علمي لدى الشاعر، ربما جلبته له أيضاً المجلة المذكورة (المقتطف). فقد كان من أسرة دينية، والده فيضي الزهاوي (ت 1890) مفتي بغداد، وأخوه محمد سعيد الزهاوي (ت 1921) كان مفتياً لبغداد أيضاً، وابن الأخير كان أمجد الزهاوي (ت 1967) يُعرف بعلامة العراق. وللزهاوي الشاعر من غير موافقة نظرية داروين والتأثر بها كتابات وأشعار في تحرير المرأة. حاصل القول في الزهاوي أنه لا يختلف عن الناقمين على داروين، فقد تبنى وبشر بنظرية عن طريق الترجمة وما كتبه الآخرون. لو لم يدخل الاستياء من بحث داروين في مخلوقات الله، على أنه غزو غربي ارتبط بالسياسة وبانهيار الدولة العثمانية، أو مثلما يُطلق عليه في الوقت الحاضر «التغريب»، لنقم الناقمون على القاضي والفقيه ابن خلدون (ت 808 هـ) وحرموا النظر في مقدمته، فقد قال في وجود الإنسان، ما لم يقله داروين نفسه، ملخصاً ما جاء به «إخوان الصفا وخلان الوفاء» (القرن الرابع الهجري)، الذين اُنتقدوا ليس على قولهم بتدرج الإنسان وإنما لأنهم تبنوا أفكار الفلاسفة. قال ابن خلدون: «واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه، وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية، ترتفع إليه من عالم القِرَدة» (المقدمة). مع أن أي فكرة غربية، أوروبية أو أميركية، تدخل مع ما يدخلنا من صناعة، فكيف نحسب استخدام التكنولوجيا بمعزل عن الأفكار! إنها فضيحة الزمن يُراد استخدام أحدث الطائرات ومواقع التواصل بمعزل عن إثارة الجدل في الأفكار. أعترف أنا أيضاً أني حاولت قراءة كتاب داروين «أصل الأنواع بالاختيار الطَّبيعي»، بعد المدرسة الثانوية، ولم أفهمه آنذاك ولم أعد إليه، لأنه كتاب علم صِرف لا فكر وتاريخ، كتبه صاحبه في المختبر لا في المكتبة. وبهذا لا أكتب هنا مدافعاً أو ناقماً إنما عارضاً ظروف الجدل، وما شغلنا به داروين. أتذكر ذلك كلما مررت بالمعهد البايلوجي، التابع لجامعة لندن، إلى مكتبة الاستشراق قديماً ومكتبة لندن حديثاً، فتمثاله قائم هناك وصوره تزين الواجهة، بعد القرار بإعادة الاعتبار إليه، والندم على مواجهته على أنه كان ملحداً، ونسوا أنه كان عالماً لا يفكر وهو يجري تجاربه بعداوة السماء. على أية حال، لقد قسمنا داروين إلى تنويريين وظلاميين، مع أن الناقم والمؤيد لم يقرأ أصل حكايته بلغته. أعود إلى المؤلف السعودي سعد العبد الله الصويان في كتابه «ملحمة التَّطور البشري»، وكان حافزاً لكتابة المقالتين، جاء في الإهداء: «إلى أجيال ستأتي لديها الجرأة على طرح الأسئلة ومواجهة الإجابات الصعبة». فما تقدم كان بمثابة طرح السؤال لا أكثر، ماذا يجب أن نعرفُ عن عالَم نعيش ونموت فيه؟ أقول: كم فتوى تكفير صدرت بحق فيلسوف وكاتب وصاحب رأي اعتماداً على ما نُقل عنه، لا على قراءة نصوصه، هذا إذا غضينا النَّظر عن الحق بممارسة العقل، بما لا يؤذي البشر!