هو الرئيس السابع منذ أُعلن النظام الجمهوري في مصر في يونيو 1953. كان الرئيس الأول هو اللواء محمد نجيب بحكم رئاسته مجلس قيادة الثورة، وجاء جمال عبدالناصر من بعده في 1956 بعد عزل نجيب، وعندما توفي عبدالناصر في 1970 خلفه السادات وبعد اغتياله في 1981 تولى الدكتور صوفي أبو طالب رئاسة مصر لأيام وفقاً للدستور الذي كان ينص على تولي رئيس مجلس الشعب رئاسة الجمهورية في حالة وفاة الرئيس أو عجزه إلى أن استفتي على شخص حسني مبارك رئيساً للجمهورية في الشهر نفسه الذي اغتيل فيه السادات. دام حكم مبارك ثلاثين عاماً إلى أن أُجبر في فبراير 2011 على التخلي عن منصبه وأوكل إدارة البلاد إلى المجلس العسكري الأعلى عكس ما يقضي به الدستور الذي كان ينيط رئاسة الجمهورية برئيس مجلس الشعب أسوة بما حدث بعد اغتيال السادات، ولكن مبارك كان يدرك بالتأكيد أن الثورة لم تكن ضده كشخص وإنما ضد نظامه برمته. تولى المجلس العسكري الأعلى إدارة البلاد إلى أن أجريت الانتخابات الرئاسية الأولى بعد ثورة يناير التي أفضت إلى انتخاب محمد مرسي المنتمي لجماعة «الإخوان المسلمين» وتوليه رئاسة مصر اعتباراً من 30 يونيو 2012. انفرد «الإخوان المسلمون» بحكم مصر عاماً كاملاً لم يظهروا فيه كفاءة في الحكم، وكان إخفاق برنامج المئة يوم مدوياً، وتفاقمت الأزمات الحياتية في العام الذي لم يهتم «الإخوان» فيه إلا بمحاولة إحكام القبضة على مفاصل الدولة وزيادة نصيبهم في كعكة الاقتصاد المصري، فضلاً عن ارتكاب أفعال تعرض الأمن الوطني المصري لخطر جسيم. وبدأ التململ الشعبي يتزايد وانبثقت حركة «تمرد» من شباب مصر وجمعت عدداً من العرائض التي تدعو لانتخابات رئاسية مبكرة قدر باثنين وعشرين مليون عريضة وقررت الحركة النزول إلى الشوارع في ذكرى مرور عام على تولي الرئيس السابق السلطة لإجباره على التخلي عن منصبه والدعوة لانتخابات رئاسية جديدة، وأعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة مهلة يومين لحل الأزمة، وكانت قبل ذلك قد أعطت القوى السياسية مهلة أسبوع للتوافق فيما بينها ولم يحدث هذا ولا ذلك، فأعلن القائد العام بحضور رموز الدولة سياسياً ودينياً خريطة طريق تبدأ بعزل مرسي وتولي رئيس المحكمة الدستورية العليا رئاسة الجمهورية على نحو مؤقت على أن يعدل دستور 2012 ثم تجرى انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، ولم يتبق بعد تصحيح الدستور في مطلع هذا العام وانتخاب المشير عبدالفتاح السيسي لرئاسة الجمهورية، سوى إجراء الانتخابات التشريعية في سبتمبر القادم. سيكون المشير عبدالفتاح السيسي هو ثاني رئيس من الرؤساء السبعة تسبقه إلى المنصب شعبية طاغية بعد جمال عبدالناصر الذي تولى رئاسة الجمهورية بنظام الاستفتاء على مرشح واحد. أما باقي الرؤساء فإما أنهم كانوا معينين كالرئيس الأول محمد نجيب والرئيس السادس المستشار عدلي منصور، أو تولوا منصبهم بحكم الدستور كالدكتور صوفي أبو طالب في أعقاب اغتيال السادات، أو أنه لم تكن لهم شعبية سابقة على وصولهم إلى منصب رئيس الجمهورية كالرئيس أنور السادات والرئيس حسني مبارك، ولذلك كان فوز السيسي في الانتخابات مفروغاً منه على ضوء القلة العددية لمعارضيه سواء أولئك الذين صوتوا لمنافسه أو أبطلوا أصواتهم احتجاجاً على ما أسموه بمسرحية الانتخابات أو قاطعوا الانتخابات أصلاً للسبب نفسه أو لما توقعوه من «حكم العسكر» أو للخصومة الثأرية بين «الإخوان المسلمين» وبين السيسي الذي أطاح في غمضة عين بالحكم الذي حلموا به قرابة تسعة عقود، أو بينهم وبين حمدين صباحي المحسوب على عبدالناصر الذي كسر شوكة «الإخوان» طيلة سنوات حكمه ليس فقط بالإجراءات الأمنية وإنما بمشروعه الوطني الذي استفادت منه الطبقات الوسطى والدنيا. ولذلك حاول خصوم السيسي ولا يزالون أن يروجوا لفكرة أن الإقبال على الانتخابات كان ضعيفاً وهي فكرة مغلوطة أصلاً لأن نسبة المشاركة في هذه الانتخابات بلغت حوالى 47% وهي لا تقل عن نسبة المشاركة في أي استفتاءات أو انتخابات جرت منذ ثورة يناير إلا في حالتي انتخابات مجلس الشعب في 2012 وبلغت نسبة المشاركة فيها حوالى 60% والانتخابات الرئاسية في السنة نفسها إذ بلغت النسبة أقل من 52% أي أكثر من نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة بأقل من 5% وهو أمر مفهوم للغاية لأن الاستقطاب في انتخابات 2012 الرئاسية كان على أشده: إما حكم «الإخوان» أو الحكم المدني، ومن سوء الحظ أن ممثل التيار المدني في تلك الانتخابات كان شخصاً عسكرياً لا يمكن الادعاء بأنه كان صاحب شعبية لافتة ناهيك عن أنه كان آخر رئيس وزراء لمبارك، حتى أن كثيرين من خصوم «الإخوان المسلمين» قد صوتوا لمرسي ليس لاقتناعهم به وإنما لرفضهم منافسه. أما الانتخابات البرلمانية فلا يقاس عليها أصلاً، وأياً كانت الحسابات فقد حصل السيسي وحده في الانتخابات الأخيرة على 23 مليون صوت فيما حصل مرسي في انتخابات 2012 على حوالى 13 مليوناً وربع مليون صوت وحصل منافسه أحمد شفيق على 12 مليوناً وثلث مليون صوت، أي أن السيسي حصل وحده تقريباً على عدد من الأصوات يكاد يماثل ما حصل عليه مرشحا الرئاسة معاً في انتخابات 2012. ولذلك ليت المشككين في شرعية السيسي يتفرغون لمحاولة المبادرة بأفكار مفيدة تنفع في إعادة بناء الوطن. وسيواجه الرئيس السابع دون شك تحديات هائلة تنبع من التوقعات المتزايدة من مؤيديه المتحمسين الذين يرون فيه الشخص الوحيد القادر على إنقاذ الوطن بالسهولة نفسها التي أنقذه بها من حكم «الإخوان»، وليس هذا بالأمر اليسير، فهناك أولاً تحدي الإرهاب الذي لا يمكن أن يكتمل النصر فيه بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما لابد من خطوات اجتماعية واقتصادية وعدالة ناجزة، وعندما تتم هذه الخطوات ستبدأ مصر في التقاط أنفاسها وإعادة البناء. وهناك ثانياً التحديات الخارجية التي يبرز من بينها ضرورة التحسب لأمن مصر الوطني على صعيد الجوار العربي سواء مع فلسطين أو ليبيا أو السودان، والعمل على تعزيز العلاقات المصرية- العربية وإعادة بناء المكانة المصرية في الوطن العربي على أسس سليمة، وأخيراً وليس آخراً ترسيخ التوازن في علاقات مصر الدولية. ويحدو الأمل الشعب المصري في أن رئيسه الجديد سيكون عند حسن الظن به وثمة شعوب عربية أخرى تشارك الشعب المصري هذا الأمل، فعسى أن يكون جميع الأطراف على مستوى التحديات الراهنة.