حشد القوات الروسية على امتداد الحدود الأوكرانية واستيلاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على شبه جزيرة القرم أصبح من اللحظات الفارقة في تاريخ القوى الغربية وحلف شمال الأطلسي. فأثناء الحرب الباردة لم يكن الكرملين يشك كثيراً في أنه إذا هاجمت قواته أوروبا أو غزت أي مكان في القارة فسيواجه حرباً كاملة التكوين مع حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة. واليوم، وبصراحة، من غير الواضح ما يمكن أن يحدث إذا استولت روسيا على مولدوفا، أو مثلاً على مدينتين في شرق أوكرانيا. والذين يقولون إنهم يحنون إلى الوضوح والاتساق اللذين كانا يسودان فترة الحرب الباردة تغيب عن أذهانهم خطورة العيش في ظل نظام عالمي كانت فيه «قوة الردع المحققة للاستقرار» تهدد بإشعال النار في نصف الكوكب في أي وقت. ولكن تسود حالياً فترة جديدة متقلبة تجلب مخاطرها وعدم استقرارها أيضاً. فهناك مناطق في كل أنحاء العالم تسكنها أقليات، مثل القرم، قد يفضل أبناؤها أن تكون جزءاً من دولة غير التي يجدون أنفسهم فيها. وهناك مناطق أخرى في العالم فيها موارد طبيعية تتنازع عليها دول كثيرة مثل الغاز والنفط الموجود في بحر الصين الجنوبي الذي تتنازع الصين فيه على ملكية مناطق شاسعة مع الفلبين وفيتنام وتايوان وبروناي وماليزيا. ومفهومٌ أن تصبح حقول الطاقة هذه أهدافاً استراتيجية طبيعية للدول المجاورة. فالطاقة والغذاء سيظلان من موضوعات الصراع الاستراتيجي لعدة عقود مقبلة لأنه ليس كل البلاد فيها وفرة من هذين الموردين الحيويين، ومن يملكون قد يغريهم حب استخدام الطاقة والطعام كأدوات للإخضاع ضد من لا يملكون. وحالياً لا توجد في العالم هيئة دولية لها من القوة والمشروعية وحرية التصرف ما يمكنها من أن تكفل سلامة أراضي جميع الدول. وتمر الولايات المتحدة ودول أوروبا جميعها بصعوبات اقتصادية شديدة، وكلها تسعى لتقليص الإنفاق العسكري والتزاماته. وخلال المدة الأكبر من الفترة التالية للحرب العالمية الثانية كان الحلفاء الغربيون يحظون بالهيمنة والاستقرار، واليوم يتقلص نفوذهم ويشعرون بحالة من عدم اليقين. وهناك مناطق للصراع الدولي المحتمل لا تحددها في الأساس الحدود الجغرافية التقليدية مثل الفضاء الرقمي، ومسعى الصين لخلع الدولار عن عرشه باعتباره عملة الاحتياط العالمية الوحيدة. وفيما يتعلق بالصراع من أجل نزع مكانة الدولار ليس هناك إلا القليل من الشك في أن بوتين بما لديه من مكر سياسي لن يسعى للتقرب من الصين فحسب في هذا الموضوع، ولكن سيبذل أيضاً مسعى مع الدول المنتجة للوقود الأحفوري المعادية للغرب بهذا الشأن، لأن إنتاج وبيع الغاز والنفط يمثل جانباً مهماً من عمليات تبادل العملة الصعبة في العالم. ويتطلب التصدي لأمثال بوتين، وتوفير إطار عمل دولي مستقر، الإقدام على اتخاذ قرارات صعبة تتضمن التزام حلف شمال الأطلسي دون لبْس بالدفاع عن وسط أوروبا على امتداد خط حدودي واضح، وإرسال قوات لحماية هذه الحدود لدعم هذا التعهد. ومن ضمن ذلك أيضاً إقامة هيئة خارج مجلس الأمن الدولي ربما تعمل مستقلة كهيئة استشارية للجمعية العامة وتتألف من دول تحظى باحترام لدعمها الاستقرار الدولي وسيادة القانون، وبوسع هذه الهيئة أن تصدر آراء لا يمكن استخدام حق «الفيتو» ضدها في فترة قصيرة بشأن ما إذا كان عمل عسكري ما من دولة ما ينتهك القانون الدولي أو ميثاق الأمم المتحدة. ويتطلب الأمر أيضاً إقامة محكمة دولية قد يحال إليها بعض النزاعات بشأن الموارد الطبيعية. وأخيراً يقتضي توفير إطار عمل دولي مستقر إنشاء صندوق دولي للطاقة على غرار صندوق النقد الدولي يكون قادراً على تقديم المساعدات قصيرة الأمد في مجال الطاقة في حالات الطوارئ وأيضاً الموارد والمعرفة اللازمة لمساعدة الدول في تطوير سياساتها طويلة الأمد لدعم الاستقلال في مجال الطاقة. ويمكن نقل مهمة مماثلة بشأن الغذاء إلى الوكالات الدولية القائمة مثل برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، مع إجراء تعديلات طفيفة نسبياً في مواثيق عملها ووظائفها. الاستبداديون التوسعيون ومنهم بوتين يسألون أنفسهم إذا ما كانت أي دولة راغبة في استخدام القوة لدعم نظام قواعد ومؤسسات فترة ما بعد الحرب الباردة لتكون قادرة على التصدي للعدوان على «الجوار» ولإقامة هيئات تحتوي النزاعات على الطعام والموارد الطبيعية. وهذا التحدي سيتطلب أموراً أكثر من الصمت والتفكك اللذين أظهرهما الغرب حتى الآن. ------- بيتر جولدمارك الناشر السابق لصحيفة إنترناشيونال هيرالد تريبيون ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. انترناشيونال»