ليست للديمقراطية في المفهوم وفي الممارسة دلالة واحدة جامعة مانعة، بحيث يمكن تقديم توصيف أو تعريف محدد لها تاريخياً أو واقعياً، بل تختلف صيغها ودلالتها بحسب الظروف السياسية والتاريخية، وأيضاً في ضوء معطيات الواقع الثقافي الذي يفرزها أو يستلهمها. وقد مر مفهوم الديمقراطية هو نفسه بمسار تاريخي مديد، يعيده مؤرخو الأفكار حتى إلى أيام اليونان القدامى، ما يعني أن ثمة مساراً من التحولات المفهومية هو ما يتتبعه ويسجله علماء السياسة والأنثروبولوجيا الثقافية عادة في تتبعهم لتاريخ الديمقراطية. وضمن الكتب الحديثة التي تتبعت هذا المفهوم وساءلت تلك الممارسة، يأتي كتاب الأنثروبولوجي الأميركي ديفيد غرابر المنشور مطلع هذا العام تحت عنوان: «هوامش الديمقراطية» الذي يركز فيه على الأبعاد الثقافية في الديمقراطية، مع فك الارتباط بينها هي نفسها وآليات وسبل تحقيقها، دون إغفال وضع الأسس الثقافية والخصوصيات التاريخية والاجتماعية في الاعتبار. وينطلق الكاتب ابتداء مما يشبه عملية مسح طاولة ونقد شامل وإعادة تفكير في بعض المفاهيم التي يُتعامل معها عادة في التداول الإعلامي والسياسي الدارج كما لو كانت حقائق بديهية، في حين أنها في الواقع ليست كذلك وإنما هي أوهام شائعة، من وجهة نظره، وفي مقدمة تلك المسلمات المغلوطة، فكرة شائعة مؤداها أن الديمقراطية تعني الاقتراع وتنظيم انتخابات دورية، وفق آليات موصوفة بالنزاهة وسوى ذلك من محددات وصور نمطية، لا تخلو من رومانسية سياسية وطوباوية ومفارقة للواقع كما هو كائن لا كما ينبغي أن يكون. وبعيداً عن هذه الفكرة السائدة، يؤكد المؤلف أن الديمقراطية لا تعني بالضرورة تنظيم انتخابات واقتراع، بل إن الانتخابات تنظم بشكل دوري في دول يعتبرها غير ديمقراطية من حيث جوهر معنى الديمقراطية كما يفهمه. والمسلمة الثانية التي يضعها المؤلف أيضاً محل تساؤل وتشكيك، هي التصنيف الشائع لبعض الدول الغربية على أنها دول ديمقراطية راسخة التجربة، عميقة التقاليد في هذا المجال، في حين يرى الكاتب أن ديمقراطيتها ينبغي أن توضع بين علامتي تنصيص، إنْ وضعنا في الحسبان المضامين والمعاني النموذجية لمفهوم الديمقراطية نفسه، وأولها ضمان التمثيل المناسب، وتساوي الفرص، وهو مطلب غير متحقق في معظم الديمقراطيات الغربية، لكون جماعات الضغط والقوى الحزبية والأفراد المتنفذين مالياً وسياسياً هم وحدهم من يستطيع تمويل الحملات الانتخابية المكلفة، واستمالة واستقطاب وسائل الدعاية والإعلام التي تقدم برامجهم بكيفية مؤثرة في الرأي العام، حتى لو كانت تلك البرامج غير مقنعة، أو غير واقعية. ولكن ماكينة التسويق الإعلامي والسياسي تبيع بفعالية سراب تلك البرامج لجمهور الناخبين العاديين. ولا شك أن المؤلف متأثر في موقفه السلبي جداً واليساري إلى حد بعيد تجاه الديمقراطيات الغربية، كونه هو نفسه يعد من أبرز داعمي الحراك اليساري المناهض للرأسمالية في أميركا، وقد نشط ضمن حملة «احتلوا وول ستريت». ولهذا السبب فهو يسعى لكشف تناقضات النموذج الليبرالي والديمقراطي الغربي من خلال نقد، بل نقض، المسوغات الثقافية والإيديولوجية التي يقوم عليها من الأساس، تساعده في ذلك خلفيته كعالم أنثروبولوجيا ثقافية، على دراية كبيرة بتاريخ التحول السياسي الذي شهدته العديد من المجتمعات الغربية. وزيادة على هذا، يرى «غرابر» أنه لم تكن هنالك أصلاً ديمقراطية نموذج، ولا ديمقراطية مثالية، بل إن من خصائص هذا النظام السياسي ومن عوامل القوة فيه أن ثمة دائماً هوامش للممارسة الديمقراطية تراعي الخصوصيات وتعدد الثقافات والطبقات الاجتماعية، ولهذا نرى اليوم أن الديمقراطية الأميركية مثلاً تختلف عن نظيرتيها البريطانية أو الفرنسية، وهي أشد اختلافاً بطبيعة الحال عن الديمقراطية الهندية، أو الجنوب أفريقية. والحاصل أنه لا توجد وصفة واحدة جاهزة وثابتة للديمقراطية، وإنما هنالك هوامش عديدة ومرنة في مفهوم الديمقراطية نفسه، بما يجعله قابلاً للتكيف مع مختلف الثقافات والمجتمعات، وقادراً على التوافق مع هوامش الاختلاف هذه بحسب البلدان، دون أن يفقد أكثر محدداته وأفكاره أساسية وجوهرية. الكتاب: هوامش الديمقراطية المؤلف: ديفيد غرابر الناشر: بورد ديلو تاريخ النشر: 2014