من ضمن مجالات علم الصحة العامة العديدة، يهتم مجال الصحة البيئية بجميع العوامل والجوانب المرتبطة بالبيئات الطبيعية، والبيئات السكانية، التي تؤثر سلباً أو إيجاباً على صحة أفراد الجنس البشري. ويشمل هذا المجال الطبي المهم جميع الظروف والمؤثرات الخارجية: الفيزيائية، والكيميائية، والبيولوجية، التي يمكن أن تسبب المرض واعتلال الصحة، أو تلك التي يمكن أن تقي من الأمراض، وتدعم صحة الفرد والمجتمع برمته. ومن هذه الظروف والعوامل، نذكر: نوعية وصلاحية مياه الشرب للاستهلاك الآدمي، والسلامة الغذائية خلال جميع مراحل إنتاج وتوزيع واستهلاك الغذاء، وسبل التخلص من القمامة الصلبة، ومن النفايات الطبية بشكل آمن، والتحكم في الحشرات الناقلة للأمراض، مثل البعوض والبراغيث، أو الحيوانات الناقلة للأمراض مثل الفئران والكلاب الضالة، وغير ذلك كثير كالتحكم في الضوضاء أو ما يعرف بالتلوث الصوتي، ودراسة تأثير تغيرات المناخ على الصحة العامة وعلى الصحة المجتمعية، وهي المجالات التي تتنوع وتتعدد بشكل لا يسمح بذكرها جميعاً هنا. ومن بين هذه المجالات المختلفة التي تقع ضمن نطاق الصحة البيئية تكتسي نوعية الهواء، أو بالأحرى التلوث الهوائي، أهمية خاصة بسبب ما ينتج عنه من عدد هائل من الضحايا سنوياً. فحسب إحصائيات وتقديرات منظمة الصحة العالمية، الصادرة نهاية الأسبوع الماضي، تقدر المنظمة الدولية أن تلوث الهواء مسؤول وحده عن وفاة 7 ملايين شخص في عام 2012. مما يجعل تلوث الهواء، مرتبطاً بشكل أو بآخر، بواحدة من كل ثماني حالات وفاة حول العالم، وهذا يضعه في المرتبة الأولى على قائمة المخاطر البيئية الصحية. وتقع 6 ملايين من هذه الوفيات في منطقة جنوب شرق آسيا، ومنطقة غرب المحيط الهادي. وحتى في القارة الأوروبية، تشير بعض الدراسات السابقة إلى أن أكثر من 300 ألف شخص يلقون حتفهم سنوياً بسبب تلوث الهواء. أما على صعيد نوعية أو مكان التلوث، فكان تلوث الهواء الداخلي، أي داخل أماكن السكن والعمل، مسؤولاً عن 3,3 مليون حالة وفاة، أما التلوث الخارجي فكان مسؤولاً عن 2,6 مليون حالة وفاة. وتنتج هذه الوفيات عن الآثار الصحية السلبية الخطيرة لتلوث الهواء، التي تشمل كلاً من: الأزمة الشعبية أو الربو، والتهاب الشعب الهوائية، والإمفيزيما، وأمراض القلب والرئتين، ومجموعة واسعة من أمراض الحساسية المرتبطة بالجهاز التنفسي. فبحسب دراسة صدرت سابقاً عن جامعة «بيرمنجهام» ببريطانيا، يعتبر تلوث الهواء سبباً رئيسياً خلف الإصابة بالالتهاب الرئوي. ففي تلك الدراسة، قارن العلماء عدد الوفيات بسبب الالتهاب الرئوي بمستويات التلوث المحلية، على مدار ثمانية أعوام، ليكتشفوا وجود علاقة قوية بين الاثنين. فمن بين قرابة الأربعمائة ألف حالة وفاة بسبب الالتهاب الرئوي خلال هذه الفترة، ارتبطت نسبة ومعدلات الوفيات بشكل مباشر بمستويات التلوث المحلية. كما تصنف الوكالة الدولية للأبحاث السرطانية (International Agency for Research on Cancer)، التابعة لمنظمة الصحة العالمية، تلوث الهواء، كأحد الأسباب البيئية الرئيسية خلف الإصابة بسرطان الرئة، ولذا تضع الوكالة تلوث الهواء في الفئة نفسها مع دخان التبغ، والتعرض للأشعة فوق البنفسجية، أو للبلوتونيوم المشع، كأسباب بيئية مسرطنة. وبناءً على زيادة فهمنا لارتباط التلوث بالعديد من الأمراض والآثار الصحية السلبية، خصوصاً أمراض القلب، والسكتة الدماغية، يمكن تقسيم تلك التبعات الصحية حسب نوعية التلوث، ففي حالة تلوث الهواء الخارجي، ترتب الوفيات الناتجة، والمقدرة بـ3,3 مليون حالة وفاة سنوياً، على النحو التالي: 1- أمراض القلب (40%). 2- السكتة الدماغية (40%). 3- الانسداد الرئوي المزمن (11%). 4- سرطان الرئة (6%). 5- الالتهاب الحاد في المجاري التنفسية السفلى لدى الأطفال (3%). أما حالات الوفاة الناتجة عن تلوث الهواء الداخلي، فترتب الوفيات الناتجة عنها، والمقدرة بـ2,6 مليون حالة وفاة سنوياً، على النحو التالي: 1- السكتة الدماغية (34%). 2- أمراض القلب (26%). 3- الانسداد الرئوي المزمن (22%). 4- الالتهاب الحاد في المجاري التنفسية السفلى لدى الأطفال (12%). وتتعدد وتتنوع أسباب تلوث الهواء، فبعضها ناتج عن ظواهر طبيعية، مثل العواصف الترابية، والنشاطات البركانية، وحرائق الغابات، وإن كانت النشاطات البشرية تعتبر هي المسؤول الأول عن تلوث الهواء، خاصة في المدن. وهذا التلوث الناتج عن النشاط البشري قد يكون من مصادر ثابتة مثل محطات إنتاج الطاقة التي تعتمد على حرق الفحم، أو بقية أنواع الوقود الأحفوري، أو من مصادر متحركة مثل الأنواع المختلفة لوسائل المواصلات، بما في ذلك السيارات، والطائرات، والبواخر. وتحتل عوادم السيارات مكانة خاصة على قائمة أسباب تلوث الهواء، نتيجة احتوائها على كوكتيل من الغازات والمواد الكيماوية السامة التي تدخل إلى مجرى الدم، ومن ثم إلى معظم أعضاء الجسم بعد استنشاقها بفترة قصيرة. أما التلوث الداخلي في البيوت والمساكن، فينتج غالباً عن حرق أنواع الوقود الأحفوري كالكيروسين والفحم، أو الوقود العضوي كروث الحيوانات، والخشب، ومخلفات المحاصيل، حيث يعتمد حالياً حوالي 3 مليارات شخص على أنواع الوقود تلك، لأغراض الطهي أو تدفئة المنازل.