نشأت كالملايين من السعوديين الذين يفخرون بقيادتهم، وبوطنهم، وبالمكانة العظيمة التي يحتلها بلدهم بين دول العالم، فالأفكار عن الذات التي غرست فينا فترة الطفولة والمراهقة وكنا عرضة لها فترة الشباب، هي أننا أمة سعودية مميزة، وأننا نتبوأ شعباً وقيادة مكانة متفردة بين شعوب الأرض. وعلى الرغم من أن هذه التربية المكثفة عبر المدرسة والمسجد والتليفزيون الرسمي كانت أحياناً تعطي صورة مبالغاً فيها عن الذات، إلا أنها كانت ذات تأثير إيجابي عميق، هذه الحميَّة كانت تتجسد الجميع، الرجل العادي، والمتديِّن، ومن يعيش الحداثة ويغرق في عالمه الخاص، أنفة تتلبس الشيخ في المسجد النبوي، والمهندس في «أرامكو»، ورجل الأعمال في مكتبه على ضفاف البحر الأحمر، والمطوِّف الذي يرشد الحجيج بين الحطيم وزمزم، وتلمس هذا الاعتداد يجتاح حتى السجناء ومروجي المخدرات واللصوص الذين يشاهدون التلفزيون منجذبين بكل جوارحهم للفنان الراحل الكبير طلال مداح وهو يصدح: «روحي وما ملكت يداي فداهُ.. وطني الحبيب وهل أحب سواهُ.. وطني الذي قد عشت تحت سمائهِ.. وهو الذي قد عشت فوق ثراهُ.. منذ الطفولة قد عشقت ربوعه.. إني أحب سهوله ورباهُ.. وطني الحبيب.. وطني الحبيب.. وهل أحب سواهُ». اليوم تجتاح روح الإحباط بعض الشباب السعوديين، يمكن رصدها في «تويتر» وفي مواقع التواصل الاجتماعي وفي كثير من أحاديث المجالس، مع أن غالبية السعوديين اليوم يعيشون أوضاعاً اقتصادية وثقافية وحريات أفضل بكثير مما كانت عليه الأمور قبول عشرين عاماً، ورغم أنهم مع جيرانهم في الجزيرة العربية غدوا من دون غيرهم الحديقة الغناء التي سلمت من الحروب الأهلية التي تسحق دول «الربيع العربي» منذ أكثر من ثلاث سنوات، فما الذي تغير؟! إن السخط الذي لا يتوقف، والشره الذي لا يشبع، والأثرة التي أصبحت أكثر الخصال سوءاً وخطراً، تجدها أحياناً تتجلى في الأب الذي يعيش أربعة من أولاده في جهات الأرض الأربع مبتعثين على حساب الدولة! وقد أسهمت بعض من الشخصيات التلفزيونية المؤثرة عبر برامجهم التي لا تظهر إلا السيئ والنقص والعيب في بلدهم، حتى إن شريحة من المقيمين غير السعوديين في البلاد أصبحوا يسهمون في إشاعة هذه الروح من اليأس وعدم الرضا. ولدوا على أرض السعودية وكان قدرهم في بلادهم الأصلية أن يعيشوا ربما عراة ورعاة أغنام، وفي أحسن أحوالهم كساحين أو حراساً أو مرتزقة أو حدادين أو مشعوذين، هؤلاء المهاجرون الذين غذتهم السعودية بخيرها وترعرعوا مع عوائلهم تحت سمائها، وعالجتهم مستشفياتها، وتعلموا في مدارسها مجاناً، ووجدوا فيها الأمن والأمان والنجاح، وفيهم من حصل على منح تعليمية من جامعات سعودية، لقد أصبحوا اليوم يثيرون في أبناء البلاد روح السخط على بلدهم، ويسهمون في إثارة البغضاء لقيادتهم. في المقابل نجد فئة صاعدة من الشباب السعوديين متعلمة ومثقفة وتمتلك الذكاء والمعرفة والتأثير، حيث يمكن استثمار قدراتها وتحويلها إلى طاقة وقوة ناعمة تخدم صورة الوطن وتقدم مظهراً مشرفاً، أي تحويلهم إلى سفراء للوطن عبر دعم أنشطتهم، واحتوائهم. من المهم ألا تهمل هذه الشريحة، كي لا تكون خاصرة رخوة يمكن استغلالها واستثمار طاقاتها ضد وطنها، أو على الأقل أن تسهم دون أن تعي في إنتاج وصناعة مزاج عام كئيب وسلبي عن البلاد وقيادتها.