لئن ابتُذلت عبارة «عصرنا عصر السرعة»، تبعاً لكثرة استخدامها وشيوعها، فإن ابتذالها وشيوعها هذين لا يلغيان الكثير من عناصر الصواب التي تنطوي عليها العبارة المذكورة. والحال أن الصبر حيال العمليات الطويلة والقضايا المعقدة صار، في مجتمعات السرعة، أقل من ذي قبل، فكيف حين يتبدى أن نتائج هذه العمليات مختلطة ومربكة وقابلة لأكثر من تأويل في وقت واحد؟ وقد سبق للمسألة الفلسطينية ومن قبلها المسألة الأرمنية أن دفعتا ثمن نفاد الصبر وتعاظم الضجر. وكادت المسألة الكردية تعاني المصير ذاته لولا السلوك الذي اتبعته الولايات المتحدة حيال صدام حسين منذ تحرير الكويت حتى إطاحته في 2003، فاستفاد منه الأكراد. ذاك أن لمرور الزمن أثره المؤكد الذي لا تحد منه طبيعة المسائل هذه وما تملكه من حق ونزوع عدالي مؤكدين. واليوم يبدو أن هذا الصبر تجاه الثورات العربية، التي سبق للإعلام الغربي أن سماها «الربيع العربي»، بدأ ينفد بدوره. لا بل يلوح كأن الأزمة الأوكرانية- الروسية التي تتصل اتصالاً مباشراً، جغرافياً وسياسياً واقتصادياً، بالبلدان الغربية، خصوصاً منها الأوروبية، بدأت تحتل من المتابعة والاهتمام ما كان يحتله «الربيع العربي» قبل أشهر قليلة. وبمعنى ما، يمكن القول إن الأزمة الأوكرانية- الروسية هذه إنما وفرت ذريعة مطلوبة لتبرير هذا التحول الغربي في الاهتمام عن شؤون العالم العربي وثوراته. صحيح أن تراجع المتابعة، كما نلحظه في الإعلام الأوروبي والأميركي، يعبر، كما أسلفنا، عن الضجر النابع من طول المدة التي استغرقتها الثورات وعدم استقرارها على حال أو من اختلاط النتائج والتباسها. غير أن هذا التراجع يعكس أيضاً اندراج هذه الثورات في نسق يغاير النسق الغربي عن الثورات، الذي يتصدره نموذجا الثورتين الأميركية والفرنسية (فيما النموذج الثالث، أي الثورة الروسية، لم يعد وارداً في المقارنات الغربية أصلاً). وربما كان دور الإسلام السياسي أساسياً في هذا الاختلاف، لاسيما أن الثورة الفرنسية خصوصاً قد استهدفت، بين من استهدفتهم، مؤسسة الكنيسة وسلطتها وامتيازاتها. فكيف وقد تصاعد دور الإسلام السياسي في الثورات العربية، وعلى اختلاف أشكال التصاعد هذا، راح يحجب العناوين الأساسية لتلك الثورات، أي مطالب الحرية والخبز والكرامة الإنسانية. وفي هذا السياق العريض تندرج عناوين عدة، يطرحها الغربيون أحياناً بسذاجة الاستغراب وأحياناً أخرى بخبث التنصل والمسافة: فمثلاً، هل يعني الوقوف مع ثورات «الربيع» وقوفاً في الخندق الواحد مع إرهابيي «القاعدة» الذين هددوا ويهددون أمن المجتمعات الغربية، فضلاً عن المجتمعات العربية والمسلمة؟ وهل يعني أيضاً الموافقة على تراجع أوضاع المرأة على الصعد جميعاً تقريباً؟ أو القبول بتنامي المخاوف لدى الأقليات الدينية والإثنية، لاسيما منها الأقلية المسيحية، وتصاعد وتائر هجرتها؟ أو غض النظر عن ضمور الطروحات الاقتصادية والاجتماعية في ثورات «الربيع»، علماً بأحوال الفقر والتخلف في معظم البلدان المعنية؟ أو عدم اهتمام الناطقين بألسنة تلك الثورات والمعبرين عنها باقتراح أية آفاق بديلة لمسائل حساسة ونزاعية كان لها دورها في تعطيل دمقرطة المنطقة، كالصراع العربي- الإسرائيلي أو إيجاد حل للمشاكل الكردية والقبطية وسواها؟ زد على ذلك أن احتمالات إفضاء الثورات إلى حروب أهلية وربما إلى إعادة نظر بالخرائط القائمة، إنما تضاعف غموض الصورة وتكرّس الاختلاف مع نسق الثورات كما عرفته التجارب التاريخية في الغرب. صحيح أن البلدان الغربية اضطرت إلى التعامل مع تعقيدات كهذه في يوغسلافيا السابقة، وتتعامل اليوم معها في أوكرانيا، إلا أن أوروبية هذه المناطق تملي ذاك التعامل المُلح، الشيء الذي لا يملك نفس الحدة حيال المناطق الأبعد كمنطقة الشرق الأوسط. وفوق هذا، فإن سيرورة الأحداث في البلدان التي شهدت ثورات «الربيع» تزيد بدورها الغموض غموضاً. فباستثناء تونس التي ربّما بدأت تستقر على نسق مفهوم، طرحت الحالة الليبية تحدياً خطيراً، انعكس سلباً بدوره على التعامل الغربي، وخصوصاً الأميركي، مع الثورة السورية ودعمها. ففي ليبيا تكرر جزئياً ما حدث في العراق من خلال الحرب التي شنتها الولايات المتحدة في 2003 لإطاحة نظام صدام حسين، لينتهي العراق إلى حالة الفوضى والاحتراب الأهلي التي تضربه اليوم، مصحوبة بتعاظم النفوذ الإيراني في بلاد الرافدين. لقد تولت طائرات حلف شمال الأطلسي «الناتو» دك سلطة معمر القذافي متيحة الفرصة للثوار الليبيين كي يمسكوا بمصير بلدهم. ولكن النتيجة التي أفضى إليها الوضع الليبي لا تبعث على الاطمئنان إلى حاضر البلد، ناهيك عن مستقبله. أما اليمن فلا يبدو أن خطة الأقاليم التي اقترحتها الحكومة ستتمكن من امتصاص نزاعات قد تتوسع بين الشمال والجنوب، أو في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون. وبدوره، لا يزال يبدو من غير الواضح ما ستستقر عليه مصر بعد الوصول المتوقع للفريق عبدالفتاح السيسي إلى رئاسة الجمهورية، وكيف سيكون موقع المؤسسة العسكرية في السياسة والمجتمع المصريين، وبالتالي أحوال المعارضة والحريات؟ وتبقى سوريا مصدر الإشكال الأكبر حيث نجح النظام في نهجه الدموي غير المعهود في جعل الثورة تصطبغ بالحرب الأهلية، مثلما نجح، عبر تحالفاته المتينة مع الروس والإيرانيين وأتباعهم العراقيين واللبنانيين، في إظهار ما يجري كأنه أزمة إقليمية وصراع دولي على سوريا. لكنْ كائناً ما كان الأمر لم يعد الوضع السوري على نفس درجة الوضوح التي تسهّل على الغربيين إصدار أحكام القيمة واتخاذ الموقف. والحق أن تلك المعطيات المؤدية إلى الضجر والابتعاد تملك الكثير من الوجاهة، خصوصاً أن قطاعات عريضة في الغرب باتت تتبرّم بضعف المسؤولية عند قوى فاعلة في مجتمعاتنا وبالميل إلى تحميل الغرب كلّ مسؤولية عن الفشل دون الإقرار بأي فضل له في النجاحات. مع ذلك، يبقى أن هناك مسؤوليّة على دول الغرب أن تنهض بها، خصوصاً في الحالة السورية المتمادية. وهي لو فعلت لتغير الكثير من العناصر التي تتسبب بالضجر الراهن.