تتمتع آسيا باستقرار نسبي منذ نهاية الحرب الباردة، لكن البعض، وخاصة في الغرب، يرى أن صعود الصين أخذ يشكل تحدياً كبيراً لهذا الاستقرار في وقت أخذت فيه الهيمنة الأميركية على غرب المحيط الهادئ تضمحل وتتلاشى. وعليه، فقد يكون تشبيه آسيا حالياً بأوروبا في عام 1914 جزءاً من سؤال أكبر حول ما إن كانت الصين تتطلع فقط إلى أن تصبح قوة مهيمنة تضطلع بدور إيجابي في منطقتها، أم أن لديها أهدافاً توسعية خفية؟ في صميم هذا النقاش توجد جزر بحري شرق وجنوب الصين المتنازع عليها، حيث يرى البعض أن سلوك الصين إنما يكشف النقاب عن نواياها الحدودية الحقيقية. والواقع أنه للوهلة الأولى يبدو الأمر باعثاً على القلق بالفعل؛ وذلك على اعتبار أن الصين باتت تركز بشكل متزايد على سيادتها على جل الجزر المتناثرة عبر بحر جنوب الصين. كما أنها زادت حجم ميزانيتها العسكرية هذا العام بـ12 في المئة؛ ونقلت قاعدة غواصاتها الرئيسية إلى جزيرة هاينان الواقعة على الحافة الشمالية لبحر جنوب الصين، وتنكب حالياً على تعزيز قدراتها البحرية وتوسيعها. وفي كتاب «المرجل الآسيوي.. بحر جنوب الصين ونهاية الاستقرار في المحيط الهادئ»، الذي نعرضه هنا، يتوقع المحلل الجيوسياسي الأميركي روبرت كابلان أن يصبح المحيط الهادئ منطقة مضطربة خلال السنوات والعقود القليلة المقبلة، لكنه يعتقد أن ذلك لن يفضي إلى حرب بالضرورة. غير أن كابلان، الذي يهوى تأليف كتب تزاوج بين الكتابة الصحفية والتوصيات السياسية، متفائل بشأن طموحات الصين، إذ يعتبر أن القوة الصاعدة في المنطقة، و«مهما كانت تصرفاتها المشاكسة، إلا أنها مختلفة كلياً عن اليابان الإمبريالية». كما يجادل بأن التشبيه بأوروبا في عام 1914 لا يخلو من مبالغة؛ ذلك أنه إذا كان بحر جنوب الصين هو المقابل الحديث لأوروبا الوسطى الخاضعة للهيمنة الألمانية إبان الحرب العالمية الأولى، فثمة فرق كبير بين الاثنين: ذلك أن «أوروبا تمثل امتداداً برياً وشرق آسيا امتداداً بحرياً»؛ والبحار ستكون بمثابة الحاجز الذي يحول دون وقوع اعتداءات. وبالمقابل، يعتقد كابلان أن التشبيه الأنسب ربما هو بالمقاربة التي تبنتها أميركا تجاه منطقة الكاريبي خلال القرن التاسع عشر؛ وذلك على اعتبار أن الصين تبحث لنفسها اليوم عن نسخة آسيوية لـ«عقيدة مونرو» (السياسة الخارجية الأميركية التي عارضت تدخل القوى الخارجية في الجزء الغربي من الكرة الأرضية)، والتي تسلمت أميركا من خلالها المشعل من الدول الأوروبية باعتبارها القوة المهيمنة في النصف الغربي من الكرة الأرضية. وفي هذا السياق، يتساءل كابلان: إذا كانت الصين ترغب في لعب ذلك الدور في الشرق، فما المانع من أن تحصل عليه؟ ثم يردف قائلا: «على المسؤولين الأميركيين أن يكونوا مستعدين للسماح، إلى حد ما، للبحرية الصينية الصاعدة بتقلد دورها المشروع باعتبارها ممثل القوة الأكبر في المنطقة». وعليه، يمكن القول إن كتاب كابلان يمثل تحدياً للمتشائمين الذين لا يرون في صعود الصين سوى المشاكل، وللصقور في الغرب الذين يعتبرونها مؤذية. وفي هذا السياق، يقول كابلان إن قوة الصين ستزداد، سواء رغبت في ذلك أميركا أم أبت، وإن قبول صعودها -إلى حد ما- لا يمثل استسلاماً أو إقراراً بالهزيمة. وأحد الأسباب التي تجعله متفائلا هو غياب صراع أيديولوجي كبير؛ فكل شيء يتعلق بالقوة في عالم «خال من الصراعات الأخلاقية»، يقول كابلان. وقد يشير الكثيرون هنا إلى وحشية نظام الحزب الشيوعي الواحد في الصين، لكن كابلان يشدد على أن الحزب الشيوعي لن يقوم بالضرورة بالتنمر على جيرانه في الخارج، لأنه يقوم بالتنمر على مواطنيه في الداخل. وإلى ذلك، ينظر المؤلف نظرة باراجماتية إلى سياسة جيران الصين؛ حيث يبدي إعجابه بـ«السلطويين المستنيرين» مثل الزعيمين السابقين لسنغافورة وماليزيا، لي كوان يو ومهاتير محمد. وهنا أيضاً يستحق كابلان الإشادة لتمسكه بوجهة نظر لا تحظى بالشعبية؛ لكنه يتوه أحياناً على ما يبدو وينشغل عن موضوعه الرئيسي بسبب هوسه بالجغرافيا. كما يؤخذ عليه أيضاً تجاهله لبحر شرق الصين والعلاقات مع اليابان، التي قد تكون أهم بكثير. ورغم أن كابلان يسعى بكل وضوح إلى تبديد المخاوف، فإنه يعترف بأن آسيا أكثر تعقيداً هي ما ينتظر «عالماً متوتراً يغص بالسفن الحربية وناقلات النفط». محمد وقيف ----- الكتاب: المرجل الآسيوي.. بحر جنوب الصين ونهاية الاستقرار في المحيط الهادئ المؤلف: روبرت كابلان الناشر: راندم هاوس تاريخ النشر: 2014