ربما لن يكون عضو مجلس الشيوخ الجمهوري الشاب عن ولاية كونكتيكت، راند باول، هو المرشح التالي لحزبه في الانتخابات الرئاسية المزمعة في 2016، لكن إذا مضى قدماً في تصدر عناوين الصحف، فمن الممكن أن يسبب المشكلات للحزبين الجمهوري والديمقراطي على السواء. وباول شاب يافع ثائر ومؤمن بحرية الإرادة، وهو يعتقد أن الولايات المتحدة أفرطت في التمدد والانتشار، وأنه ما كان ينبغي لها أصلا أن تضطلع بدور الشرطي العالمي. ولا يتردد باول في توجيه أشد النقد لتطفل حكومة بلاده ولأنشطة التجسس المحلية التي تقوم بها حيال المواطنين الأميركيين، لاسيما من قبل وكالات المخابرات الوطنية. وتقديراً لهذا الموقف من جانب باول، فقد حظي باحتفاء كبير عندما ألقى كلمة أمام الطلاب في جامعة كاليفورنيا في بيركلي يوم التاسع عشر من شهر مارس الجاري. وتتمتع تلك الجامعة في «بيركلي» بتاريخ حافل مع سياسيي جناح اليسار ونجومه الصاعدين، كما كانت مؤيدة بأغلبية ساحقة للرئيس الأميركي الديمقراطي باراك أوباما في دورتي الانتخابات الرئاسية السابقتين. وثمة موضوعات مشتركة يهتم بها في الوقت الراهن الشباب الأميركيون، وعلى الأخص جيل الألفية، شبيهة بتلك التي يلح ويؤكد عليها باول في خطاباته العديدة. ويساور أولئك الشباب أيضاً بعض القلق الواضح بشأن الالتزام المفرط من جانب الولايات المتحدة حيال القضايا الخارجية، وكذلك فيما يخص التوغل الكبير لأجهزة الأمن الوطني، لاسيما أنهم يعتمدون على أجهزة هواتفهم المتحرك و«الآي باد» و«الأندرويد» في تلقي الأخبار والتواصل مع أصدقائهم. وعليه، تبدو فكرة أن الحكومة الأميركية يمكنها التجسس على الأجهزة الشخصية للجيل الجديد من الشباب فكرة غير مقبولة، فهم لا يرغبون أن تتحكم أي جهة رسمية في شبكة الإنترنت أو تقيّد ولوجهم إلى المواقع والشبكات الإلكترونية المفضلة لديهم. ولعل السيناتور باول هو من يعبر عن هذه المخاوف بصراحة بالغة أكثر من أي عضو جمهوري آخر في الكونجرس الأميركي. ومثلما قال باول في بيركلي: «إذا كانت لديكم هواتف خلوية، فأنتم قيد المراقبة، وأعتقد أنكم لا تستخدمون هذه الهواتف في شيء يخص الحكومة». بل أكثر من ذلك، فإن السيناتور الشاب يبدي تعاطفاً مع مسرِّب المعلومات السرية المثير للجدل «إدوارد سنودن»، أكثر مما يتعاطف مع مدير المخابرات الوطنية «جيمس كلابر». ويصب باول أيضاً جام غضبه على النظام القانوني في الولايات المتحدة، بسبب استخدامه الممنهج والتمييزي للعقوبات المشددة والسجن الإلزامي ضد الأقليات في جرائم تعاطي العقاقير المخدرة. وقد لفت في أحد خطاباته قائلا: «إن الحرب على المخدرات تمخضت عن نتيجة عنصرية، إذ أن ثلاثة من بين كل أربعة مسجونين في هذه الجرائم هم من السود أو من ذوي البشرة الداكنة»، ليطرح التساؤل: ألا يوجد شيء ما خاطئ في هذا الموضوع؟ وعلى الرغم من أن تلك الملاحظات تستهوي بوضوح الشباب الذين لا يدلون بأصواتهم في المعتاد لصالح الحزب الجمهوري، إلا أن باول ربما يجد الأمر أكثر صعوبة في استمالتهم عندما يلتفت إلى بعض القضايا التقليدية التي تفصل بين الجمهوريين والديمقراطيين. وبطبعة الحال، يعتبر باول من أشد المؤمنين بالتعديل الثاني للدستور الأميركي، والذي يعطي الأميركيين الحق في حمل السلاح، لكنه لا يبدي تعاطفاً كبيراً مع إعانات البطالة، كما أنه لم يكن متحمساً لدعم مشروع قانون إصلاح الهجرة في مجلس الشيوخ، والذي كان قد أعده الحزبان الجمهوري والديمقراطي، إذ أن من شأنه تسهيل حصول المهاجرين غير الشرعيين على حق الإقامة بصورة قانونية في الولايات المتحدة، مع توقع الحصول على الجنسية الأميركية فيما بعد. وبالمثل ربما سيرفض كثير من الناخبين، الذين تجذبهم رسالة باول التحررية، آراءه المعاكسة بشأن الإجهاض. وعلى الصعيد السياسي، يواجه باول تحديين كبيرين من داخل حزبه، أولهما: أن عليه أن يتغلب على معارضة عناصر جناح اليمين التقليدية في الحزب الجمهوري الذين يبدون تشككاً في «انعزاليته الجديدة» بشأن السياسية الخارجية، بينما يعارضون بقوة آراءه التحررية بشأن الحياة الاجتماعية. أما التحدي الثاني: فهو الهروب من تأثير وموروث والده عضو الكونجرس رون باول، الذي ترشح مرات متعددة في السباق الرئاسي، وكان يحظى بشعبية بين الجناح التحرري في الحزب الجمهوري، لكنه كان يعتبر متطرفاً بشكل كبير بشأن السياسات الاقتصادية والخارجية. وإذا نجح باول، رغم تينك العقبتين، في أن يصبح المرشح الجمهوري لمنصب رئاسة الولايات المتحدة، فإن ذلك سيمثل تحولا جذرياً في السياسة الداخلية الأميركية، ويمكن أن يمثل تحدياً للحزب الديمقراطي، حتى إذ أصبحت مرشحته وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلنتون. ولاشك أن كلينتون تعد من الصقور المتشددين في السياسة الخارجية، وخصوصاً تجاه إيران وروسيا، وهو موقف يضعها في مكان جيد لدى «المحافظين الجدد» والليبراليين الذين ينادون بالتدخل وليس الانعزال. لكن على الرغم من ذلك، تختلف بعض رؤاها بشكل كبير مع «جيل الشباب»، وجناح اليسار في الحزب الديمقراطي، وعدد غير قليل من الناخبين المستقلين الذين يعتقدون، مثل باول، أن الولايات المتحدة شديدة الإفراط في الانتشار الخارجي، وأن عليها أن تعيد تركيز طاقاتها على الأولويات المحلية. ولا يزال تغير هذه المواقف، بسبب الأزمة الراهنة في أوكرانيا بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم، أمراً غير مؤكد، وربما يتحتم على راند باول نفسه أن يعدِّل بعضاً من آرائه، آخذاً في حسبانه التحدي الروسي الجديد. وفي ضوء بقاء عامين ونصف العام قبل انتخابات الرئاسة الأميركية القادمة، في عام 2016، لا يزال هناك الكثير مما يمكن أن يتغير في أميركا وخارجها، ويجب اعتبار نهوض راند باول تطوراً مهماً في السياسية الأميركية.