ماذا يعني أن يصوّت المسلمون التتار في القرم ضد انضمام شبه الجزيرة إلى الاتحاد الروسي؟ لاشك في أن التتار كانوا يعرفون جيداً أن نتائج الاستفتاء ستكون لمصلحة الانضمام، ذلك أن أكثرية السكان هم من أصل روسي. ولاشك في أنهم كانوا يعرفون أيضاً عواقب التصويت السلبي، ليس فقط على صعيد علاقاتهم مع سكان القرم من الروس، بل على صعيد موقف الكرملين منهم. ولاشك في أنهم كانوا يعرفون كذلك حجمهم كأقلية لا تزيد على 13 ‏? ?في المئة? ?من? ?السكان?.? ?وأن? ?تصويتهم? ?ضد? ?رغبة? ?الأكثرية? ستكون ?له? ?عواقب? ?انتقامية? ?فيما? ?بعد?. ومع ذلك قالوا لا للانضمام إلى روسيا.. ولا للرئيس فلاديمير بوتين. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من التوقف أمام التجارب الثلاث التالية: تتمثل التجربة الأولى في موقف روسيا من الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى التي تمكنت من الاستقلال بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، مثل أوزبكستان وطاجكستان وأذربيجان وغيرها، وتلك التي حاولت في القوقاز وقمعت مثل الشيشان وتتارستان. فالموقف الروسي من شعوب هذه الدول ذات الأكثرية الإسلامية كان موقفاً فوقياً وسلبياً بعد الاستقلال، وكان موقفاً استغلالياً وابتزازياً قبل الاستقلال. أما التجربة الثانية فتتمثل في موقف الاتحاد الروسي من تداعيات ما بعد انفراط عقد الاتحاد اليوغسلافي في البلقان. فقد تعرض المسلمون في البوسنة والهرسك إلى مجازر إبادية على أيدي القوات الصربية. وفي بلدة سبرينتشا وحدها قتل الصرب بدم بارد أكثر من سبعة آلاف مسلم لمجرد أنهم مسلمون. ومع ذلك وقف الكرملين مدافعاً عن الصرب. وعلى العكس من هذا اتخذت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي موقفاً إنسانياً متعاطفاً. فقد كشف الموقف الغربي عن الجرائم الجماعية وتمكن من إحالة مرتكبيها -أو بعضهم- إلى المحكمة الدولية في لاهاي. وصدرت بالفعل عن المحكمة أحكام بالإدانة. إن المقارنة بين موقف موسكو الداعم لمرتكبي الجرائم ضد الإنسانية في البلقان، وموقف الغرب المتعاطف مع الضحايا، تشكل درساً للتتار في شبه جزيرة القرم، وهو عدم الثقة وعدم الاطمئنان إلى موقف الكرملين. ومما يعزز دروس هذه التجربة، الموقف الروسي من قضية كوسوفا التي كانت تحت السيطرة الصربية على رغم أن أكثر من 95 في المئة من شعبها هم من المسلمين الذين يتحدرون من أصول ألبانية. وعندما حاولت كوسوفا الانفصال كغيرها من مناطق البلقان عن الاتحاد اليوغسلافي المنهار، حاولت بلغراد قمع محاولتها بالقوة العسكرية.. وقد استمر قصف مدن وبلدات كوسوفا على مدى أكثر من عام إلى أن تدخلت الولايات المتحدة وفتحت الطريق أمام مبادرة دولية لإجراء استفتاء أدى إلى إعلان استقلال كوسوفا عن صربيا. وهو الاستقلال الذي لم تعترف به موسكو حتى الآن. ويشكل تزامن الأزمة في أوكرانيا مع الأزمة في سوريا، أساس التجربة الثالثة التي تعلم منها التتار في القرم المزيد من الدروس والعبر. فقد وقفت روسيا إلى جانب النظام السوري ودعمته عسكرياً ومالياً وسياسياً في الوقت الذي تؤكد إحصاءات المنظمات الدولية أن عدد ضحاياه تجاوز 150 ألفاً من القتلى، إضافة إلى ملايين من المهجّرين. ورأى التتار كيف أن «الفيتو» الروسي أجهض كل محاولات مجلس الأمن الدولي تحقيق تسوية سياسية توقف سفك الدماء وتدمير البلاد. واستخلصوا من ذلك أن ما يراه بوتين في مصلحة الكرملين أو في مصلحته الشخصية، يأتي أولاً، وأنه فوق كل اعتبار إنساني. وفوق ذلك كله، ربما لم يكن التتار بحاجة إلى كل هذه التجارب المستجدة حتى يتخذوا الموقف السلبي من سياسة بوتين. إن لهم تجربتهم الخاصة مع الكرملين حتى في العهد القيصري. فقد كان التتار يشكلون الأكثرية السكانية الكبرى في شبه جزيرة القرم عندما احتلتها روسيا القيصرية وشنت عليهم حرب إبادة، حيث قتل منهم أكثر من 350 ألفاً في ذلك الوقت، وهجر إلى تركيا المجاورة أكثر من مليون (يتحدر وزير خارجية تركيا الحالي داود أوغلو من أصول تتارية). حدث ذلك بعد تدمير وإحراق مساجدهم ومدارسهم ومدنهم ومصادرة أملاكهم. ففي أيام العهد القيصري كان عدد التتار حوالي العشرة ملايين، وبعد الحرب العالمية الثانية انخفض هذا العدد إلى قرابة المليون فقط. ذلك أن التتار أبدوا تعاطفاً مع بداية الحرب مع ألمانيا النازية، ليس حباً في النازية ولا في هتلر، ولكن نكاية في الكرملين وستالين، وأملاً في أن ينتصر الألمان وأن يحقق هذا الانتصار أملهم برفع كابوس الاضطهاد الروسي الذي يعانون منه. ولكن بعد هزيمة ألمانيا، انتقم ستالين منهم شر انتقام، فساقهم كالأغنام إلى مجاهل سيبيريا حيث قضى مئات الآلاف منهم برداً وجوعاً.. ولم يعد التتار -أو القلة الباقية منهم- إلى شبه جزيرة القرم إلا بعد انضمامها في عام 1954 إلى أوكرانيا حيث استعادوا بعض حقوقهم وأملاكهم. ولذلك فإنهم يتعاطفون مع أوكرانيا ولا يثقون في روسيا. لقد راهن التتار بامتناعهم عن التصويت لمصلحة الانضمام إلى روسيا على أمرين أساسيين. الأمر الأول هو وحدة أوكرانيا، والأمر الثاني هو التزام المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي باحترام سيادة أوكرانيا ووحدتها. فهل يخسرون الرهان على الغرب كما خسروا الرهان على ألمانيا النازية؟.. وماذا سيحل بهم إذا تكرست هذه الخسارة مرة ثانية؟.. وأي انتقام سيتعرضون له على يد الكرملين وسيده الجديد؟ قبل أوكرانيا، راهنت جورجيا على الغرب وخسرت. وبعد جورجيا راهنت الثورة السورية وخسرت. ويبدو أنه في حسابات الرئيس الأميركي باراك أوباما، فمهما كان ثمن هذه الرهانات الخاسرة مرتفعاً إنسانياً، فإنه يبقى دون الثمن الذي قد يجد العالم نفسه مضطراً لدفعه إذا تحول الصراع مع الكرملين إلى صراع مسلح. وهذا صحيح فعلاً. ولكن الصحيح أيضاً هو أن بوتين يعرف ذلك.. وأنه يتصرف على أساسه أيضاً! صحيح أن بوتين ليس ستالين. وصحيح أن عالم اليوم هو غير العالم الذي كان سائداً في العهد الستاليني بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن من طموحات بوتين المعلنة إعادة صناعة الإمبراطورية الروسية. فهو يعتبر سقوط الاتحاد السوفييتي أكبر خطأ في التاريخ الحديث. ولذلك فإنه يعمل على تصحيح هذا الخطأ. أو لعله يحاول وقف امتداداته أولاً من خلال التصدي لتوسع حلف الأطلسي شرقاً.. بضم دول الجوار الروسي إلى الحلف، وثانياً من خلال وقف امتداد النفوذ الأميركي في دول آسيا الوسطى عبر اتفاقيات استثمار النفط والغاز. ولا يملك التتار -أو لم يعودوا يملكون- من القوة ما يمكنهم من الدفاع عن وجودهم وعن حقوقهم الوطنية. وكل ما يملكونه هو أن يمتنعوا عن التصويت!