لا يتوقف البعض عن الادعاء بأنهم قد ساهموا في بناء الإمارات، فلم تبقْ جنسية عربية أو أجنبية إلا وادعت أنها صاحبة فضل على هذه البلاد، وكأن أهلها في سباتٍ عميق، إلى أن تفجرت ينابيع النفط التي حازت على اهتمام الجميع وكانت سبباً في توافر وقود بشري من كافة الجنسيات لهذه الصحراء الجافة الفقيرة التي تحتاج الكثير لكن يتوافر لديها الإرادة والشعب المثابر. والسؤال المهم هنا أين كان هؤلاء القوم، حين كانت البيوت تُبنى من سعف النخيل ويحرقها لهيب الشمس ويهلكها البرد في الشتاء القارص؟ أين كان هؤلاء عندما كان أهل هذه البلاد لا يتعلمون إلا القرآن، ولا يعرفون من العالم إلا أخبار متباعدة يأتي بها المسافرون للهند أو إيران؟ ولماذا كلما لاحت أزمات سياسية تم الزج باسم الدولة في الخلافات والصراعات؟ علماً بأن السياسة لعبة معروفة لا تستقر ولا تستمر في اتجاه واحد. ولماذا يظن القوم أن الإمارات قامت على سواعد غير سواعد أبنائها؟ وكونها استعانت بخبرات عربية أو إيرانية أو هندية أو غربية، فهذا لا يعني إلا أنها فتحت أبوابها للجميع، وكان المقابل مجزياً. بل على العكس من هذه الادعاءات، فإن الإمارات كانت ولا زالت بلاد الأحلام لكثيرين ممن أصبحت لديهم قصص للثراء، التي جعلت من موظف فقير أو سكرتير أو سائق أو خياط صاحب ملايين وعقارات وأعمال لم يكن ليحلم بها، لماذا لا يذكرون هذا الجانب، ولا يقولون إلا أنهم من بنى هذا البلد! وأقول لأصحاب هذه الادعاءات: من بنى هذه الدولة هم رجالها ونساؤها، الذين لم يعرفوا الراحة أو الرفاهية، بل عانوا شظف العيش وشدته، وبذلوا جهداً شاقاً كي يستمروا أحياء، وكم كان البحر مقبرة لأحباء غابوا وقضوا غرقاً بحثاً وطلباً للرزق اليسير. فمثلما كان البحر واهباً للحياة، كان سارقاً لها، مغيباً في أعماقه الكثيرين ممن ذهبوا دون وداع، بل بغياب قسري قاسٍ وموجعٍ وغامضٍ، هل دفع أحد من المدعين- والقائلين بأنه ساهم في بناء هذا البلد- من صحته وعرّض حياته للخطر في البحر؟ وأيضاً، هل عرفوا معنى أن تكون محتاجاً لدرجة أن تعمل وأنت تعلم أن الموت متربص بك في كل لحظة؟! هذه الدولة تشكر دائماً كل من ساهم في تنميتها، وهي على الدوام تشكر الجميع، وتعلن امتنانها لهم. وقد حان وقت أن تتوقف مثل هذه الأقاويل الرخيصة، والتي تجعل من الإمارات دولة يدعي بشأنها الجميع. فالإمارات كانت دوماً وستظل ساحة أمان واستقرار للغريب وملاذاً لكل من يبحث عن فرصة في الحياة الشريفة القائمة على العمل الجاد والباحث عن نتائج مبهرة، ومن بناها هم أهلها لا غيرهم، ولا أياً من القادمين من خارج حدودها وبحرها، ومهما أدعوا أو قالوا، فالتاريخ والجغرافيا والواقع يرد عليهم دون أن نكلفهم عناء الإجابة أو الإنكار.