وأخيراً انفجر غضب رئيس الوزراء التركي أردوغان فأصدر أوامره بحجب شبكة تويتر التي انتشرت فيها بعض الفضائح المالية التي يعتقد أن بعض أفراد عائلته متورطون فيها، بعد أن كان قد عاقب القضاء والأمن، وهدد بملاحقة الصحافة والإعلام السمعي البصري. حاكم أنقرة القوي الذي بنى نهضة تركيا الاقتصادية وسيطر على خصومه من العلمانيين والعسكريين والانفصاليين الأكراد وجد نفسه عاجزاً أمام شبكات التواصل الاجتماعي فقرر في لحظة غضب أن يتجاوز الخط الأحمر الذي لم تصل إليه أي من الديكتاتوريات القمعية المغلقة. في فرنسا، كتب الرئيس اليميني السابق ساركوزي مقالة في صحيفة «لوفيغارو» معلقاً على ما تناقلته المواقع الإلكترونية من أحاديث خاصة سجلت سراً أيام حكمه يتهكم فيها على بعض وزرائه وأعوانه، في الوقت الذي سربت مكالماته الهاتفية التي أمر بها القضاء في إطار التحقيقات الجارية حول فضائح سياسية ومالية يعتقد أنه متورط فيها من بينها ما أشيع عن استفادته في حملته الانتخابية عام 2007 من دعم مالي من العقيد القذافي. وقد شبه ساركوزي ما تعرض له من ملاحقة قضائية وإعلامية بممارسات البوليس السياسي الألماني الشرقي «الستازي» مما اعتبره الرئيس أولاند كلاماً لا يحتمل. أولاند نفسه ذهب إلى حد ملاحقة الصحافة التي تتبعت علاقاته العاطفية مما شكل سابقة مثيرة في فرنسا التي يتمتع فيها رئيس الجمهورية عادة بمكانة رمزية خاصة. وانكشاف الساسة أمام أضواء الإعلام وشبكات التواصل الكثيفة واكبه شعور متزايد بعجزهم عن الفعل والتأثير، في الوقت الذي تبين استطلاعات الرأي في البلدان الديمقراطية أن صورة السياسيين تزداد تردياً وسوءاً والثقة فيهم تتقلص إلى حد غير مسبوق بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية والفكرية. تبين أحداث شبه جزيرة القرم بوضوح عجز الزعماء السياسيين الغربيين الذين هددوا بمعاقبة روسيا وأعلنوا تضامنهم مع الحكومة الأوكرانية الجديدة، في حين لم تتجاوز ردة الفعل منع بعض المسؤولين الروس من دخول الدول الغربية وتعليق بعض الاجتماعات المشتركة، مما ليس له أي تأثير نوعي على المصالح الروسية. والتجربة نفسها برزت في إدارة الرئيس أوباما للملف السوري مهدداً بضربة انتقامية لنظام بشار الأسد انتهت إلى مجرد طرد الدبلوماسيين السوريين من العاصمة واشنطن بعد أن كانت السفارة السورية قد أغلقت منذ فترة طويلة. إنه عصر نهاية الزعيم السياسي في المجتمعات الديمقراطية، لا بمعنى غياب المؤهلات الفردية والكاريزما الشخصية، فلا أحد ينكر أن الرئيس أوباما يتمتع بجاذبية فريدة ويمتلك ثقافة واسعة وله قدرات خطابية هائلة، ومع ذلك يبدو أضعف رئيس في تاريخ أميركا، كما أن ساركوزي وبرلسكوني وبلير يتمتعون بمزايا مماثلة ولكنهم كلهم خرجوا من الحكم منهكين ضعفاء وملاحقين قضائياً وسياسياً. وما نريد أن نبينه هنا هو أن الحداثة السياسية في الغرب قد ضاعفت صورة السياسي في نموذجين متناوئين هما نموذج الزعيم ونموذج الخبير، أولهما امتداد لصورة رجل الدولة الخارق الاستثنائي وثانيهما تعبير عن نمط الشرعية الديمقراطية الذي يحول الحاكم إلى مجرد مسير مفوض بإدارة الشأن العمومي دون أن تكون له السلطة بمفهومها الشرعي العميق. وإذا كان بعض الساسة استطاعوا أن يحافظوا على صورة الزعيم خصوصاً في مراحل التحول النوعي كالحروب العالمية وحروب المقاومة وبناء الدول، فإن العصر الراهن لم يعد بإمكانه السماح بظهور مثل تلك الشخصيات الاستثنائية باعتبار أن سلطة القرار الفعلية توجد اليوم خارج نطاق سيادة الدول، كما أن المعادلة الاستراتيجية الدولية الحالية بدل أن توفر هامشاً فعلياً للقوى الدولية انتهت إلى خلق ما دعاه بعض المفكرين السياسيين بدبلوماسية التواطؤ التي هي الوجه الآخر لدبلوماسية العجز. ومن هنا تتبين منزلة الإعلام التواصلي بصفته من جهة الفاعلية الوحيدة المتاحة للسياسي العاجز، ومن جهة ثانية التعبير الأقوى عن عجزه. في المنحى الأول، نلاحظ أن الفعل السياسي تحول إلى نمط من الفعل الاستعراضي المسرحي، بمعنى أنه قد تحول من فن إدارة الحكم state craft إلى فن الإخراج التمثيلي stage craft حسب اصطلاحات عالم الاجتماع الفرنسي «كرستيان سالمون». لم يعد السياسي يحتكر السردية الوطنية والقومية، بمعنى أنه لم يعد -على غرار ديغول وتشرشل ونهرو- الناطق باسم الأمة والشعب، بل إن السردية الوطنية تشتتت في عصر ثورة الاتصال ولم يعد من الممكن التحكم فيها على رغم أن حكام اليوم يخصصون جل وقتهم وجهدهم للكلام والتواصل لإخفاء عجزهم الفعلي عن اتخاذ القرارات الحاسمة التي تغير وضع مجتمعاتهم ودولهم. وهكذا يصبح السياسي في المقابل ضحية لهذه الثورة التواصلية التي أراد توظيفها أداة وحيدة للفعل السياسي المتاح، إنه يتحول إلى جسم معروض طول الوقت تحت الأضواء في أدق مشاهد حياته الحميمية إلى حد الانهيار الشامل والخروج من الحياة السياسية (كما وقع للسياسي الفرنسي ورئيس البنك الدولي دومنيك ستروس كان الذي كان المرشح الأقوى لرئاسيات 2012 في بلاده). والسياسي مرغم على الحضور الإعلامي الكثيف إلى حد الابتذال، وملقى كفريسة جاهزة للماكينة الاتصالية التي لا قلب لها ولا مركز، وينتهي إلى أن يصبح كائناً افتراضياً ومجرد رقم في البورصة المتأرجحة، إن لم يتحول إلى مادة للاستهزاء والسخرية كما هو شائع اليوم في برامج الترفيه الشعبية في قنوات الإعلام السيار. كان جيل الزعماء الذين حكموا الدول الكبرى في ما بعد الحرب العالمية الثانية مثل جون كيندي وديغول هو جيل التلفزيون الذي نقل الفعل السياسي من الميدان العمومي إلى مجال الصورة التي ضاعفت تأثير السياسي على القاعدة الشعبية العريضة، وما نعيشه اليوم هو المشهد المقابل الذي هو الصورة المنفلتة من كل قيد وتحكم بحيث تحول السياسي من نموذج الخطيب العمومي المطاع إلى صورة الفريسة المطاردة.