التاريخ في مورانٍ دائمٍ، والمصالح السياسية تواكبه أو تتبعه أو تسابقه، والقمة العربية تأتي في ظل تغييراتٍ كبرى دولياً وإقليمياً وخليجياً، ومن هنا تأتي أهمية النظر لهذه القمة التي ستنعقد بالكويت يومي 25 و26 مارس الجاري. سيكون على هذه القمة أن تختار طريقاً واضحاً في ظل التناقضات الدولية والإقليمية بل والعربية، فمن أن يجب البدء؟ يجب البدء برسم تصوراتٍ جامعةٍ ورؤىً متحدةً ومصالح مشتركةٍ لكل الدول الأعضاء القدماء وكل الدول التي تطالب بالانضمام كتشاد وجنوب السودان، تكون هذه الرؤى والمصالح هي الأساس المتين الذي تنطلق منه الجامعة العربية كمنظمة إقليمية تحتاج إلى تعزيزٍ لدورها وتطوير للمؤسسات التابعة لها وقفزة نوعيةٍ لآليات عملها البطيئة والمترهلة. المنظمات العربية السياسية كالجامعة العربية ونحوها بما فيها أكثرها نجاحاً مجلس التعاون الخليجي هي مؤسساتٌ ضعيفةٌ بالنسبة لما يمكن أن تكون، وذلك بحكم التعلق بالتاريخ المختلف، الذي أنشئت فيه أو طبيعة التوازنات الجديدة التي تفرضها المرحلة، وهي دون شكٍ بحاجةٍ ملحةٍ لإعادة البناء والتشكيل والتفعيل إن في الرؤية العامة الجامعة وإن في الفروع المهمة والحاسمة في تحديات كبرى تواجهها هذه المنظمات. كي تكون قوياً يجب أن تبقى متماسكاً. وكي تظلّ مستمراً يجب أن تكون مرناً. هكذا يمكن إلقاء النظر على التجارب العالمية في هذا الإطار، إن في منظمة عصبة الأمم التي تطورت للأمم المتحدة، دولياً، وإنْ في منظمات إقليمية كالاتحاد الأوروبي، فالمنظمات التي تجمع دولاً يجب عليها كي تبقى قويةً أن تشدّ الهدف الرئيس الذي أنشئت من أجله وأن تزيد من تعزيز المصالح المشتركة والغايات الاستراتيجية، وهي كي تستمر وتنجح يجب أن تكون مرنةً في احتمال الخلافات الطبيعية التي تفرضها المصالح المتناقضة لبعض الدول داخل المنظومة الواحدة، ولكن هذه الخلافات حين تصبح خلافاتٍ في الاستراتيجيات الكبرى والأهداف والغايات لا تعود صالحةً للاستمرار وتصبح بحاجة إلى تشكيلٍ جديدٍ أو تعديلاتٍ جذريةٍ. المثال الأخير واضحٌ في مجلس التعاون الخليجي والتعامل مع الشقيقة قطر وسيكون في قمة الكويت حديثٌ مهمٌ حول موقف قطر بعد سحب السفراء الثلاثة للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، وسيتضح ما هو الخيار الذي اتخذته قطر تجاه طبيعة العلاقات مع أشقائها والمأمول أن يكون قراراً بالعودة إلى عمق قطر الاستراتيجي في دول الخليج. الشعب القطري شعبٌ خليجيٌ بامتيازٍ وهو سيتأثر كثيراً في حال اختيار قيادته النأي عن أشقائهم في الخليج وأي إجراءاتٍ سيتمّ اتخاذها تجاه الدولة القطرية ستؤثر للأسف على الشعب القطري، ولكن هذه مسؤولية القيادة القطرية وليست مسؤولية أي أحدٍ آخر. لن يجدي الاحتماء بقاعدةٍ عسكريةٍ حليفةٍ ولا جماعةٍ إرهابيةٍ في أي محاولةٍ لتمزيق أواصر القربى وإلغاء المشتركات الكبرى في الدين واللغة والثقافة والمذهب والمصير، وسيكون منافياً للمنطق وسباحةً عكس تيار التاريخ، فيما لو كان خيار النأي بأي صيغةٍ هو المطروح. تحدّث الكثيرون عن الأدوار المريبة لبعض المؤسسات التي تتخذ من قطر مقراً لها كمؤسسة الكرامة وأكاديمية التغيير وبعض مراكز الدراسات التي تستقطب جميعاً شباباً متديناً في الأولى أو ناشطاً في الثانية أو باحثين في الثالثة من دول الخليج لتعليمهم كيف يخلقون المشاكل والفوضى في دولهم، وكذلك استغلال رموزٍ من جماعة الإخوان المسلمين المنابر الدينية والإعلامية في قطر لمهاجمة القيادات السياسية في دول الخليج، وهي أحاديث مهمةٌ دون شكٍ، ولكن ثمة أمورٌ لا تقلّ أهميةً تكشفت في الآونة الأخيرة توضح أن الخلاف مع قطر بات في الاستراتيجيات الكبرى التي تنتهجها وآليات التخطيط والتنفيذ، وأن حجم التحالف الذي كان قائماً مع جماعة «الإخوان» وجماعات العنف الديني وصل إلى حدودٍ تثير قلقاً فعلياً. في حوارٍ مطولٍ أجراه رئيس تحرير صحيفة الحياة غسان شربل مع محمود جبريل الرئيس الأسبق للمكتب التنفيذي في ليبيا تحدث الأخير حديثاً مهماً حول الدور الذي لعبته قطر في ليبيا قبل وبعد سقوط حكم القذافي ودعمها الكامل لجماعة «الإخوان» وقيادات الجماعات الإسلامية المسلحة ومحاولات تهميش القيادات السياسية في ليبيا والتيارات المنافسة لجماعات الإسلام السياسي والعنف الديني. قبل أحداث «الربيع العربي» كانت بعض رموز الإسلام السياسي تنطلق من قطر إلى ليبيا لترعى ما كان يعرف حينها بمراجعات الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، فذهب يوسف القرضاوي وسلمان العودة وغيرهما للمشاركة في إتمام هذه المراجعات وكان يدير هذه الزيارات الشيخ علي الصلابي المقرب من قطر، وقد التقى غالب هذه الرموز بمعمر القذافي نفسه أو بولده سيف الإسلام الذي كان نافذاً، وأثنوا على القذافي وولده وكان سعيهم جاداً لإخراج قيادات الجماعة المسلحة من السجون تحت ظل هذه المراجعات وقد نجحوا في إخراج المئات. تبدو قطر من خلال الحوار وكأنها كانت تعدّ شيئاً ما للحظة قادمةٍ وبخاصةٍ حرصها على خروج قيادات الجماعات الإسلامية مثل عبدالحكيم بلحاج ومئات المقاتلين المدربين، وكانت القيادة القطرية حريصةً بحسب جبريل على مشاهدة قناة «الجزيرة»، وهي تنقل دخول بلحاج إلى طرابلس، وكأنه فاتحٌ عظيمٌ، والسؤال هل كان الدعاة الذين ذهبوا إلى هناك يعلمون بالدور الذي يقومون به في خدمة أجندةٍ خطيرةٍ أم أنهم كانوا مجرد بيادق يتمّ تحريكها؟ إنما أوردت الفقرات أعلاه لتوضيحٍ نهجٍ يدعو للريبة ويثير الشكوك في السلوك القطري تخطيطاً وتنفيذاً وهو أمرٌ يعطي مؤشراتٍ بأن قطر تسعى بشكلٍ أو بآخر لتطبيق مثل هذا السلوك مع دول الخليج وهو سلوكٌ مناقضٌ تماماً لأي أوصر قربى أو أخوةٍ أو حرصٍ على وحدة الصف الخليجي. إن قرار السعودية والإمارات باعتبار جماعة «الإخوان» جماعةً إرهابيةً قرارٌ استراتيجيٌ سيكون له ما بعده، وستعي الدول الداعمة للجماعة والتي أرادت أن تكون مركز الثقل الإخواني الجديد أنها ستخسر كثيراً حين تعادي هذه الاستراتيجية، وسيتهاوى الداعمون والمؤيدون أمام صلابة الموقف ووضوح الرؤية والعزم على التنفيذ. أخيراً، فإن حزم القرارات حلّ مكان رخاء المجاملات، وحماية الأوطان ومصالحها لم ولن تكون محل مساومةٍ مع أي أحدٍ، والسعودية والإمارات قويتان بكل المقاييس وقادرتان على افتراع طريقٍ رحبٍ لمستقبل أكثر استقراراً ونجاحاً، لدولتيهما وشعبيهما ولدول الخليج وشعوبها.