لاشكّ أنّ الأزمة الأوكرانية لم تنتهِ فصولها بعد، بالرغم من توقيع الرئيس بوتين على معاهدة ضمّ شبه جزيرة القرم إلى روسيا، ومصادقة المحكمة العليا الروسية على ذلك. فهناك أجزاء من شرق أوكرانيا يُرشّح أنها هي أيضاً قد تحذو حذو القرم، لتعاطف بعض أبناء تلك المناطق مع روسيا وشعورهم بأنهم جزء منها. ولذلك، فإن أيّ حديث عن الدروس المستوحاة من هذه الأزمة ربما يكون سابقاً لأوانه، ومع ذلك فإن هذه الأزمة أوضحت بكل جلاء أن القيادة الروسية الحالية لا تقبل بتداعيات الماضي المتمثل بانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1990، واستقلال العديد من دول وسط آسيا وشرق أوروبا وانفصالها عنها. وعلى رغم أن روسيا خلال العقدين الماضيين حرصت على إعادة بعض هذه الدول إلى الحظيرة الروسية عبر اتفاقيات اقتصادية، وقيام منظمات إقليمية مثل معاهدة شنغهاي، وكذلك إقامة منطقة تجارة حرة، والتخطيط لوحدة سياسية، إلا أنّ موسكو اضطرّت إلى استعراض عضلاتها العسكرية، مثلاً بالتدخل في الشيشان عامي 1994 و1999، وصولاً إلى عام 2000. وكذلك دخلت في حرب مع جورجيا عام 2008. وكانت هذه إشارات واضحة للدول الغربية بأنّ موسكو ماضية في استعادة إمبراطوريتها المفقودة، بكل الطرق الممكنة. غير أنّ فشل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في قراءة النوايا الروسية قد كلّفهما ويكّلف شعوب هذه المناطق المتاخمة لروسيا الشيء الكثير. ويمكن القول إنّنا ندخل الآن مرحلة حرب باردة جديدة بين روسيا والغرب، وبينما تحكم العقلية العسكرية التوجّه الروسي، لا زال التوجّه الاقتصادي هو السلاح الذي تستخدمه الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوروبي لمواجهة هذا التحدّي الاستراتيجي الجديد. وقد أثار سقوط شبه جزيرة القرم شجوناً كثيرة لدى الباحثين والسياسيين الغربيين. فقد شبّهت هيلاري كلينتون سياسات بوتين بسياسات هتلر، وزعم وزير خارجية بولندا أنّ مزاعم بوتين بحماية الروس في القرم، وبقية البلدان المستقلّة، تشبه مزاعم هتلر بحماية الأقلية الألمانية في تشيكوسلوفاكيا قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية. وذهب وزير خارجية أرمينيا السابق «فيرتان أوسكانيان» إلى القول بأنّ الأوضاع الدولية الحالية تشبه الأوضاع السائدة قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، على رغم وجود الأسلحة النووية التي تجعل من اندلاع حرب دولية شاملة أمراً مستبعداً في الوقت الحاضر. ومن ناحيتهم، يرد بعض المعلّقين الروس قائلين إنّ التدخّل الغربي السافر في شؤون أوكرانيا عبر ما يُسمّى بالثورة البرتقالية عام 2004، وفي ثورة جورجيا عام 2007، لم تكن إلا محاولة من الدول الغربية لحصار الوطن الأم «روسيا»، تمهيداً لضمّ هذه الدول إلى حلف «الناتو» العسكري، وهو أمرٌ تعتبره موسكو تهديداً خطيراً لأمنها القومي. ومن ناحيةٍ ثانية، انتقد الدكتور «برونو مارتنز» الأستاذ بجامعة «آرهوس» الدنماركية، في مقالةٍ له، دول الاتحاد الأوروبي، واعتبرها مسؤولة عن التصعيد الذي حدث. فهي من ناحية حاولت جذب أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي عبر مفاوضات الارتباط بين الجانبين التي استمرت زهاء أربع سنوات، بين عامي 2007 و2011، وكانت لها جوانب متعددة ذات صلة بالتجارة بين الجانبين وإصلاح القوانين والتشريعات الأوكرانية لتتماشى مع القوانين والأنظمة الأوروبية، خاصةً في مجالات الطاقة والاتصالات والبيئة وغيرها من المجالات. كما ضغط المفاوضون الأوروبيون على نظرائهم الأوكرانيين في المسائل الخاصة بالقضاء ومحاربة الفساد وغيرها من مواضيع حقوق الإنسان، وهي المطالب التي غالباً ما ترفعها المفوضية الأوروبية في مفاوضاتها مع الأطراف الأخرى. واعتبرت الحكومة الأوكرانية حينذاك أنّ ذلك يعدّ تدخلاً في شؤونها الداخلية. وحتى حين طرح موضوع عضوية أوكرانيا في حلف «الناتو» -والكلام لا زال للدكتور مارتنز- رفضت بعض الدول الأوروبية الضغوط الأميركية في هذا الشأن عام 2008، بدعوى أنها قد تؤثّر على مصالحها التجارية مع موسكو. وهكذا أثارت هذه الاختلافات في المواقف الاستراتيجية بين الدول الأعضاء في حلف «الناتو»، وكذلك قدرة المفوضية الأوروبية على استقراء تداعيات الأحداث المستقبلية، تساؤلات كثيرة، ربما شجّعت كذلك القيادة الروسية على اتخاذ هذه القرارات بحق حليفتها السابقة. والحقيقة أنّ القرارات السياسية للدول، وكذلك للمنظمات الدولية والإقليمية، تتخذ دينامية خاصة بها، تدفع هذه الدول وصانعي القرار فيها إلى الاستمرار في سياساتهم دون النظر إلى التداعيات الاستراتيجية الناتجة عن هذه القرارات. وتأتي مثل هذه الأزمات لتوضّح خطورة الاستمرار في سياسات ربما كان تقييمها من حين لآخر كفيلاً باستدراك آثار سلبية مستقبلية. والنقطة الثانية المهمة هنا، هي أنّ السياسات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي تجاه بلدان شرق أوروبا ووسط آسيا، لا تأخذ كذلك في الاعتبار التداعيات السياسية والاستراتيجية التي قد تنتج عن مثل هذه السياسات. وبينما تنجح الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة، في الربط بين سياساتها الاقتصادية والسياسية، وصولاً إلى خدمة أهدافها الاستراتيجية، فإن دولاً متوسطة، مثل الاتحاد الأوروبي، تفشل في الربط بين المواضيع الاقتصادية والمواضيع السياسية، إما لاختلاف مصالح وسياسات الدول الأعضاء، كما هو الحال في الاتحاد الأوروبي، أو لغياب النظرة الاستراتيجية بعيدة المدى، وانغماس السياسيين في الأعمال الروتينية اليومية. ومع ذلك فإن العقوبات التي تفرضها اليوم الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي على روسيا، لم تثنِ روسيا عن ضمّ شبه جزيرة القرم، أو الاستمرار في السياسات الحالية، حيث إنّ صانعي القرار في موسكو أبعد ما يكونون عن الاهتمام بالمسائل الاقتصادية. ومع ذلك، فقد عانى الاقتصاد الروسي وسيعاني من مثل هذه العقوبات. فخلال الأسبوع الماضي، تراجعت السوق المالية الروسية «مايسكس» وفقدت 66 مليار دولار من أصولها منذ اندلاع الأزمة، كما فقد «الروبل» 11% من قيمته، مما اضطرّ البنك المركزي الروسي للتدخّل وضخّ 16 مليار دولار لاستقرار العملة. كما انسحبت استثمارات تُقدّر بـ50 مليار دولار من الأسواق الروسية، ويُتوقّع أن ينكمش الاقتصاد الروسي في هذا العام، وأن تدخل روسيا في أزمةٍ اقتصادية جديدة. وعلى رغم ذلك، فإنّ لدى البنك المركزي الروسي احتياطيات تبلغ 494 مليار دولار من العملات والذهب، وذلك بسبب عائدات مبيعات النفط والغاز. والدرس الذي سيبقى في الذاكرة، هو أنّ بعض العسكريين لا يفهمون في الاقتصاد، وأنّ بعض الاقتصاديين لا يفهمون الكثير من الأمور السياسية والاستراتيجية. وفي تخطيط وعمل كلٍ منهم قد يقترفون أخطاءً عظيمة بحق شعوبهم ومقدّراتها، ومقدّرات الشعوب الأخرى.