حتى وقت قريب، وتحديداً إلى غاية التدخل العسكري الروسي الأخير في شبه جزيرة القرم وما تبعه من تطورات كرست ضمّها لروسيا الاتحادية، ظلت تحليلات الغربيين بشأن مستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي كان طيلة الفترة السابقة أحد أنجح التحالفات العسكرية في التاريخ، مرتبكة وغير واضحة. ففي عام 1949 تأسس «الناتو» كرد فعل على التحركات السوفييتية ذات الطبيعة العدائية المهددة لأوروبا الشرقية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لاسيما المحاولات التي بذلتها موسكو الشيوعية في ذلك الوقت لطرد القوات الغربية من برلين عام 1948، وهي الخطوة التي تصدت لها الولايات المتحدة بقوة ودفعت الجميع إلى التفكير في تكتل عسكري يواجه التهديدات السوفييتية. لكن مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، وما كان يمثله من خطر حقيقي على المنظومة الغربية، بات حلف شمال الأطلسي بدون مهام واضحة كما كان عليه الأمر في ذروة الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الغربي والشرقي، ولعلَّ ما ساهم في تنامي الأسئلة المشككة في الحلف تمدده الواسع نحو الشرق، حيث توسع ليضم أحد عشر بلداً من بلدان أوروبا الشرقية، بما فيها بولندا وبلدان البلطيق الثلاثة: لاتفيا وإستونيا وليتوانيا، وكان هناك حديث عن انضمام أوكرانيا إلى الحلف، بالإضافة إلى دول أخرى محاذية لروسيا مثل أرمينيا. لكن خلال التسعينيات وجد الحلف نفسه منغمساً في الصراعات الأوروبية التي اندلعت في البلقان ليتدخل عسكرياً في كل من صربيا والبوسنة وليمنع إراقة الدماء ويسهل تفكك يوغوسلافيا بأقل الأثمان، مجنباً المنطقة الانزلاق إلى حروب أهلية مزمنة على أعتاب أوروبا الغربية. ولم يتوقف «الناتو» عند حدود أوروبا، بل تدخل في أفغانستان مرسلا قواته إلى هناك مباشرة بعد هجمات 11 سبتمبر وانطلاق الحرب على الإرهاب، ثم ومع اندلاع ثورات «الربيع العربي» في عام 2011 استُخدمت قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمساعدة الثوار في ليبيا والإطاحة بالعقيد معمر القذافي من السلطة، لكن هذه التدخلات الأخيرة التي جرت خارج الحيز الجغرافي لأوروبا وُوجهت بتشكك كبير وبأسئلة ملحة حول مهمة «الناتو». هذه الأسئلة المشككة تصاعدت لتتزامن مع التغيرات العالمية الجديدة بعد الأزمة المالية وتوجه الدول الأوروبية المشاركة في الحلف بسبب الضغوط المالية إلى تقليص موازناتها الدفاعية. هذا ناهيك عن المزاج العام في أميركا الذي لم يعد مهتماً بالمناطق التقليدية للنفوذ الأميركي في أوروبا الغربية بعد انهيار الخطر السوفييتي، ما دفع واشنطن إلى إعلان استدارتها الاستراتيجية نحو جنوب وشرق آسيا والتصدي على ما يبدو لقوة الصين الصاعدة وأيضاً لاستباق أي نزاع محتمل قد ينشأ في المحيط الهادئ بسبب الخلافات بين القوى الآسيوية والمشاكل الحدودية المزمنة. غير أن تلك الاعتبارات التي حملت أميركا على الابتعاد عن أوروبا والتقليل ربما من أهمية حلف شمال الأطلسي، انقلبت رأساً على عقب إثر التطورات الأخيرة في أوكرانيا والهجمة الروسية الواضحة على أوروبا الشرقية، بل رغبتها الواضحة في استعادة ما تعتقده مجداً ضائعاً. كما أن التدخل الروسي الأخير في شبه جزيرة القرم شكل أخطر أزمة تشهدها أوروبا بعد الحرب الباردة. وكان للاستفتاء الذي نظمته موسكو في القرم، بنتائجه التي أعلن عنها لصالح الانضمام لروسيا، والتي وصلت، حسب الأرقام الرسمية، إلى 95 في المئة من المؤيدين، أثر بالغ على الدول الأوروبية التي سارعت إلى تصعيد لهجتها المعارضة، وبالأخص ألمانيا التي أوضحت مستشارتها، أنجيلا ميركل، أن روسيا ستواجه عقوبات اقتصادية تطال أعضاء في النظام مرتبطين بالكرملين وبالسلطات الجديدة في القرم، بالإضافة إلى تجميد الأصول الروسية في البلدان الغربية. ولو أقدم بوتين على مزيد من التصعيد بإرسال قواته إلى مناطق أوكرانيا الشرقية، فقد نشهد اندلاعاً غير مسبوق للعنف. ومع أن مثل هذا التحرك لن يفضي إلى تدخل عسكري من حلف شمال الأطلسي ضد روسيا، فإنه بالقطع يعزز حضوره في البلدان الأعضاء القريبة من روسيا، لاسيما بولندا ودول البلطيق، بينما يبقى الأمل معقوداً على حل الأزمة بالوسائل الدبلوماسية، وبخاصة بعد أن تدرك روسيا الثمن الاقتصادي الذي ستدفعه جراء سياستها. إلا أن التغير الأساسي سيحدث على الجانب الغربي بعد أن تحول الموقف من روسيا بقيادة بوتين؛ إذ ما عادت الشريك المحتمل للغرب، كما كانت عليه بعد انتهاء الحرب الباردة. وفي هذا السياق ستُبذل المزيد من الجهود في الغرب لتطوير قدرات حلف شمال الأطلسي من الناحية العسكرية وتهيئته أكثر لمواجهة التحديات الاستراتيجية. وسيعتمد هذا التطوير العسكري خصوصاً على مدى استفحال الأزمة في أوكرانيا واستعداد ألمانيا للعب دور قيادي على الصعيد الأوروبي، بما في ذلك القضايا الأمنية. ولن تمر الأزمة دون تداعيات أميركية؛ إذ من المرتقب أن تتحول موازنة الدفاع على ضوء الهجمة الروسية إلى قضية سياسية ساخنة سيوظفها الجمهوريون لإظهار ضعف أوباما وفشله في اتخاذ موقف صارم من أوكرانيا. ويبدو أن المرشح الجمهوري في انتخابات 2012، ميت رومني، كان على حق عندما قال في مناظرته مع أوباما إن «روسيا تظل بدون شك العدو الجيوسياسي الأول بالنسبة للولايات المتحدة»، وهو التعليق الذي أثار سخرية المعلقين ورد عليه أوباما بأن الحرب الباردة انتهت. هذا النقاش سيحتدم في واشنطن خلال الانتخابات الرئاسية القادمة التي يتوقع المراقبون أن تترشح فيها هيلاري كلينتون ممثلة للحزب الديمقراطي. وليس غريباً أن تدلي وزيرة الخارجية السابقة بدلوها في الأزمة الأوكرانية مشبِّهة استيلاء بوتين على القرم بتحركات هتلر خلال الشهور التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الثانية في 2 سبتمبر 1939.