تعلمت من أساتذتي درساً بالغ الأهمية هو ألا أتحدث عن شخصي أو أركز في كتاباتي على مؤلفاتي وأن أحرص على الرجوع إلى مختلف المراجع الفكرية التي يبدعها مفكرون عرب أو أجانب، مع الحرص على التوثيق العلمي لكل مرجع حتى يرجع إليه من يشاء من القراء بيسر وسهولة. غير أنني أستأذن من قرائي الكرام لكى أخرج على هذا المبدأ. وتفسير ذلك أنني أبلغت منذ شهرين من إدارة جائزة «سلطان العويس» الإماراتية وهي أرفع جائزة فكرية عربية أنني حصلت على الجائزة هذا العام في فرع العلوم الإنسانية والدراسات المستقبلية. وقد سعدت بهذا الخبر سعادة قصوى، وذلك لأنه على الرغم من أنني سبق لي أن حصلت من بلدي على «جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية» عام 1996 والتي تمنح على مجمل الأعمال العلمية للباحث، وعلى جائزة «النيل عام 2007» وهي في الواقع جائزة تشريفية، إلا أن جائزة «مؤسسة سلطان العويس» كان لها وقع مختلف في نفسي، لأنها حكم موضوعي من لجنة تحكيم أعضاؤها من كبار الأساتذة والمثقفين العرب، وهي تشير إلى تقدير المجتمع الثقافي العربي لإنجازي الفكري الذي بدأ منذ أكثر من خمسين عاماً ومازال مستمراً حتى الآن. وقد طلبت مني إدارة الجائزة أن أكتب سيرة ذاتية فكرية لي أركز فيها على التواريخ الفاصلة في مساري العلمي، وقد أرسلتها بالفعل وفكرت في أن أنشر اليوم ملخصاً لها تكشف عن خلفياتي الإيديولوجية والفكرية والسياسية، وعن تحولاتي الفكرية ومبرراتها. ولدت في 3 سبتمبر عام 1933 في الإسكندرية. كان والدي ضابطاً بسلاح الحدود بالقوات المسلحة المصرية وكان يشغل منصب أركان حرب مركز تدريب سواحل الأساس والذي يقع داخل معسكر تابع لمصلحة السواحل. بعد أن خرج والدي على المعاش عام 1952 انتقلنا لأول مرة للإقامة في حي سكني هو حي محرم بك. في هذا الحي مكتبة تابعة لبلدية الإسكندرية، كانت حافلة بالكتب العربية والإنجليزية، ومارست فيها القراءة بصورة منهجية منذ وقت مبكر، واستطعت أن أقرأ أهم إنتاج الفكر المصري والعربي. وأعتقد أن النقطة الفاصلة في حياتي هي قراءاتي الواسعة المدى للفكر المصري والعربي التي مارستها في مكتبة البلدية بالإسكندرية. ولم أقنع بقراءة أبرز كتابات المفكرين المصريين والعرب فقط، ولكنني اطلعت اطلاعاً واسعاً على كتابات الفلاسفة الغربيين. بعد حصولي على الثانوية العامة دخلت كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية عام 1953 وتخرجت منها عام 1957. وكانت هذه اللحظة محطة فاصلة في حياتي، لأنني أحببت دراسة القانون وتفوقت فيها. وتأتي بعد ذلك أهم لحظة في حياتي، وهي النجاح في المسابقة التي نظمها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 1957، والتي عينت على أساسها باحثاً مساعداً. وقد أتاح لي هذا المركز العتيد التخصص المتعمق في العلوم الاجتماعية بشكل منهجي أدى إلى تنظيم قراءاتي السابقة في علم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة. وفي خلال عملي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية من عام 1957 حتى عام 1975 -تاريخ استقالتي من المركز بعد أن عينت مديراً لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية-، مررت بلحظات تاريخية فارقة أثرت في مساري العلمي وفي حياتي بشكل عام. اللحظة الأولى هي المهمة العلمية التي كلفني بها أستاذي الراحل الدكتور «أحمد خليفة» مدير المركز القومي للبحوث الاجتماعية وذلك عام 1963 حين أوفدني إلى «اليابان» لحضور دورة تدريبية عن حقوق الإنسان وذلك لكي أنظم- عقب عودتي إلى القاهرة- «الدورة الأفريقية الأولى لحقوق الإنسان»، والتي نظمتها بالفعل بالتعاون مع الأمم المتحدة ولاقت نجاحاً كبيراً. وتتمثل اللحظة الثانية -أثناء عملي خبيراً بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- في سفري في مهمة علمية إلى فرنسا والتي استمرت ثلاث سنوات (1964-1967). أمضيت منها عامين في كلية الحقوق بجامعة «ديجون» للاستعداد لإعداد رسالة الدكتوراه في القانون الجنائي التي كنت قد سجلتها قبل سفري في جامعة القاهرة. وبعد ذلك انتقلت إلى باريس وأمضيت فيها عاماً كاملاً تعمقت فيها في دراسة علم الاجتماع وعلم السياسة. عدت إلى القاهرة وبعد سنوات من العودة، استقلت من المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 1975 وعينت مديراً لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. وهكذا تغيرت حياتي الأكاديمية بالكامل عقب قيامي بإعادة تأسيس هذا المركز الذي تحول مع الزمن ليصبح أهم مركز استراتيجي في العالم العربي. في هذا المركز كان أهم إنجازاتي إصدار «التقرير الاستراتيجي العربي» عام 1987 ليصبح التقرير العربي الوحيد في هذا المجال والذي أصبح مرجعاً عالمياً. وبعد حياة حافلة كمدير لمركز الأهرام أنتجت خلالها عدة كتب أهمها «الشخصية العربية بين مفهوم الذات وصورة الآخر» وكتاب «الوعي القومي المعاصر» وصلت إلى سن المعاش عام 1993 وبدأت مرحلة جديدة من حياتي كمستشار لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. وقد أتاح لي تفرغي الكامل للبحث العلمي – بعد أن تحررت من قيود إدارة المركز- أن أنتج أهم كتبي على الإطلاق، وقد بدأتها بكتابي «الوعي التاريخي والثورة الكونية» الذي ألفت فصوله حين كنت أميناً عاماً لمنتدى الفكر العربي في عمّان (1990-1992). وتتالت كتبي بعد ذلك في موضوعات شتى، وأهمها عن ظاهرة «العولمة» و«حوار الحضارات» و«استشراف مستقبل المجتمع العربي». وقد عدت إلى المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 1994 لأشتغل منصب أستاذ علم الاجتماع السياسي. وبهذه الصفة أسست «المرصد الاجتماعي» الذي رأسته وضم في عضويته أكثر من 15 أستاذاً في مختلف تخصصات العلم الاجتماعي. وقد أسست في مكتبة الإسكندرية «مرصد الإصلاح العربي» بعد أن نظمت المكتبة عام 2004 مؤتمراً عربياً حاشداً عن «الإصلاح السياسي». ووجدتني في الشهور الأولى من عام 2012 أتولى منصب مدير «المركز العربي للبحوث» الذي يتخصص أساساً في دراسة حركات الإسلام السياسي، ومعنى ذلك أنني أصبحت مسؤولاً عن إعداد جيل جديد من الخبراء والباحثين كما فعلت من قبل ابتداء من عام 1975. كلمة أخيرة أختم بها هذه السيرة الذاتية الموجزة. في 3 سبتمبر عام 2013 وصلت إلى سن الثمانين، ومعنى ذلك أنه مضى علىّ في ممارسة البحث العلمي خمسون عاماً كاملة، ووجدتني وأنا في غمار احتفال تلاميذي العديدين وأصدقائي ومعارفي بهذه المناسبة يصلني خبر بحصولي على جائزة «سلطان العويس» في فرع الدراسات الاجتماعية والبحوث المستقبلية. وأحسست بسعادة غامرة لأن دلالة هذه الجائزة الثقافية الرفيعة أن مجتمع المثقفين العرب الذي أعرف رموزه البارزة في المشرق والمغرب والخليج معرفة شخصية قرر أن يحتفل بي بمناسبة وصولي لسن الثمانين، ربما تقديراً لإنتاجي العلمي الذي صدر كله في سياق الإيمان الكامل بالوطنية المصرية والقناعة العميقة بالعروبة، وقد ترجمت هذا الإيمان وهذه القناعة في كل إنتاجي العلمي ومؤلفاتي الفكرية.