في معركة مجتمعات العصر الحديث مع أوزان أفرادها المتثاقلة، وأردافهم المتضخمة، وبطونهم المتدلية، يتطاير اللوم في كل حدب وصوب، وتشير أصابع الاتهام في كل اتجاه، مما يجعل النصائح الغذائية الصحية متضاربة ومتناقضة في الكثير من الأحوال، مما يخلق وضعاً محيراً ومربكاً، ليس فقط للعامة، وإنما حتى للأطباء والمتخصصين. ومع بداية الأسبوع الحالي، عاد هذا الواقع الزئبقي، إلى الإطلال برأسه مرة أخرى، مع نشر علماء جامعة «كامبريدج» البريطانية لدراسة حديثة، قاموا فيها بتحليل نتائج 72 دراسة سابقة، شملت أكثر من 600 ألف شخص، بحثت جميعها في العلاقة بين تناول الدهون المشبعة وبين احتمالات الإصابة بأمراض القلب والشرايين، وما إذا كان للدهون غير المشبعة دور في خفض مخاطر الإصابة بتلك الطائفة من الأمراض. وما خلص إليه علماء «كامبريدج»، هو أنه لا يوجد دليل علمي واضح وثابت، يؤكد ويدعم المعرفة العامة، والنصيحة الشائعة، بضرورة تجنب الدهون المشبعة لخفض احتمالات الإصابة بأمراض القلب والشرايين، أو أن تناول الدهون غير المشبعة يحقق أية قدر من الوقاية. والدهون هي عبارة عن مركبات كيميائية تتمتع بخواص معينة، مثل عدم قابليتها للذوبان في الماء، وانخفاض كثافتها مما يجعلها تطفو دائماً إذا مزجت بالماء. وتوجد المركبات الدهنية في حالتين فيزيائيتين: حالة صلبة كما في السمن والزبدة، أو حالة سائلة كما في الزيوت. الخاصية الأخرى والمهمة فيما يتعلق بالدهون، وبالتحديد في الأحماض الدهنية، هي كونها مشبعة أو غير مشبعة. وبدون الدخول في تفاصيل كيميائية، تعرف الدهون المشبعة بأنها تلك التي تشبعت بذرات الهيدروجين، أما غير المشبعة فهي تلك التي يمكنها تقبل المزيد من ذرات الهيدروجين. وتتواجد الدهون المشبعة في عدد من الأطعمة المختلفة والمتنوعة، وإن كانت توجد بنسب مرتفعة نسبياً في السمن، والزبد، والأجبان، وقشطة الحليب، ودهون الحيوانات، بالإضافة إلى بعض الزيوت النباتية، مثل زيت جوز الهند، وزيت بذرة القطن، وزيت النخيل، والشيكولاتة. أما الدهون غير المشبعة، والتي تقسم بدورها إلى أحادية ومتعددة، فتتواجد في المكسرات، والأفوكادو، والعديد من الزيوت النباتية، مثل زيت الزيتون، وزيت الكانولا، وزيت عباد الشمس، وزيت السمسم، وبعض اللحوم الحيوانية، مثل لحوم الدجاج العادي، والدجاج الرومي أو ديك الحبش. وتتأتى أهمية الدهون بأنواعها المختلفة في المجال الطبي على صعيدين؛ صعيد احتوائها على قدر كبير من السعرات الحرارية، مما يؤدي لزيادة الوزن والسمنة -إذا ما أفرط في تناولها- والمعروف عنها ارتباطها بعدد من الأمراض، مثل داء السكري، وبعض الأمراض السرطانية، وربما حتى خرّف الشيخوخة. أما الصعيد الآخر، فيتعلق بارتباط هذه الدهون بمستوى الكوليستيرول في الدم، حيث يؤدي احتواء الطعام اليومي على كميات كبيرة من الدهون المشبعة إلى ارتفاع مستواه، بينما يؤدي استخدام الدهون غير المشبعة إلى انخفاض مستواه. والكوليستيرول هو عبارة عن مادة دهنية شمعية، يحتاجها الجسم البشري للقيام بالعديد من الوظائف الحيوية الأساسية، كإنتاج وبناء الخلايا الجديدة مثلا. ويحصل الجسم في الأحوال العادية على احتياجاته من الكوليستيرول إما عن طريق ما نتناوله من طعام، أو من خلال إنتاج وتصنيع الكبد له. ويحتل الكوليستيرول وأرقامه حالياً موقعاً مركزياً في فهمنا لأمراض الشرايين والقلب، فحسب تقدير الجمعية الأميركية لأمراض القلب، يوجد أكثر من 100 مليون شخص في الولايات المتحدة فقط مصابون بارتفاع في مستوى الكوليستيرول، وهي ربما ما يفسر حقيقة أن الأمراض القلبية في الولايات المتحدة تعتبر القاتل الأول للرجال والنساء على حد سواء، حيث تتسبب في أكثر من نصف مليون وفاة سنوياً. ولذا أصبح من المتفق عليه أن قياس نسبة الكوليستيرول في الدم، وخفضها -إذا كانت مرتفعة- من خلال تناول خفض المتناول من الدهون المشبعة، والاستعاضة عنها قدر الإمكان بالدهون غير المشبعة. ولكن أمام نتائج بعض الدراسات، مثل دراسة جامعة «كامبريدج» الأخيرة، تصبح الصورة أقل وضوحاً وقطعية، وتصبح الحكمة الطبية في هذا المجال محاطة بشكوك قوية، ومجالا خصباً للجدل العلمي. وإلى أن تتضح الأمور بشكل أكبر، وعلى حسب الجمعية البريطانية لأمراض القلب – أحد ممولي دراسة كامبريدج- يجب الاستمرار في الوقت الحالي بالأخذ بالنصيحة الطبية، التي توصي بعدم الإفراط في تناول الدهون بجميع أنواعها، أو أية مصدر آخر مرتفع في السعرات الحرارية، مثل الكربوهيدرات والسكريات، وخفض محتوى الطعام من الملح، مع زيادة محتواه من الخضراوات والفواكه الطازجة، وممارسة التمارين الرياضية بشكل يومي، والتي لا تنجح في تحقيق خفض عام لمستوى الكوليستيرول، وإنما بالتحديد خفض ما يعرف بالكوليستيرول السيئ، وربما استخدام بعض العقاقير الطبية الخاصة، المعروفة بمجموعة «الستاتين»، في الأشخاص الذي يعانون من ارتفاع ملحوظ في نسبة الكوليستيرول في الدم، مع الامتناع عن استخدام منتجات التبغ بجميع أنواعها، والبعد عن الضغوطات وأسباب التوتر في الحياة اليومية، وهي النصائح التي سينتج عنها إنقاذ حياة الملايين حول العالم، وتجنب وفاتهم المبكرة، في ظل حقيقة أن أمراض القلب والشرايين تحتل حالياً رأس قائمة أسباب الوفيات بين أفراد الجنس البشري.