إن خطوط التماس بين المعتل والسليم ضبابية جداً، وليس ثمة خطوط هندسية واضحة. يتأكد هذا مع قفز أرقام التشخيص حين يغير الأطباء رقم الكولسترول المقبول من 250 إلى 200 ملغ؟ هنا تنحدر شريحة هائلة من ملايين العباد إلى قائمة المرضى المرشحين في كل لحظة لهجمة قلبية وتصلب شرياني. الشيء نفسه في موضوع الضغط الدموي الذي كان عند كبار السن 160 على 100، قبل أن ينحدر إلى رقم مختلف بين 140 و 90، بل الإصرار على حافة 120 على 70 مما لا تملكه إلا راقصات المعبد. هكذا بجرة قلم وتغيير رقمين أصبحت في عداد المرضى طوابير لانهاية لها من المعتلين. إنها لعنة الطب الحديث وفرط التشخيص. هؤلاء الذين أصبحوا مرضى فجأة هم بالأصل لا يشكون من شيء. وقد قال لي أحدهم: بين ليلة وضحاها أصيبت زوجتي بصدمة حين أخبروها أنها مصابة بالسكري، لتجري الفحص في مكان آخر ويقال إنه ليس بها سكري. ومنه نستخلص القاعدة: لا تسلِّم للأرقام حتى تكررها ثلاثاً؛ فإن خرجت في الحواف المرضية يمكن حربها والانتصار عليها بآليات الصيانة في أجسادنا: «الذي خلقني فهو يهدين وإذا مرضت فهو يشفين». من أعاجيب المرض والمرضى أن هناك العديد منهم يحملون المرض وهم ليسوا مرضى، وهناك 40 في المئة يحملون تنكسات في الغضروف الهلالي في الركبة، وأكثر من خمسين في المئة تنكسات في غضاريف الفقرات الظهرية بدون أعراض. ومن أعاجيب التشخيص الخاطئ أن ألف شخص لا يشكون من شيء عرضوا على فحوصات معقدة لتكون النتيجة أن 86 في المئة منهم مرضى بعاهات شتى. صحيح أن الكشف المبكر جيد، لكن ليس دائماً، بل قد تكون له ضريبته. والنتائج الميدانية تقول إن 50 في المئة من كبار السن مصابون بسرطان البروستاتا، لكن من يموت به لا تتجاوز نسبتهم 3 في المئة. وجاء في المجلة الطبية البريطانية أن ثلث سرطانات الثدي وقعت تحت هذا البند من فرط التشخيص. لقد تم مسح 52000 شخص، وكانوا قسمين: من اهتم بصحته وبلع حبوبه، ومن كان على العكس من ذلك. فكانت النتيجة أن لا فارق يذكر بين الصنفين، بل ارتفعت قائمة الأموات مع أولئك الحريصين. ولي صديق كان حساساً جداً في موضوع النظافة والطعام إلى درجة الوسواس الخناس، لكن في النهاية فاجأه سرطان القولون فضربه، ولما فتحوا بطنه عثروا على الورم فاستأصلوا الخبيث ليرتاح قليلا، قبل أن يقفز المرض مجدداً إلى الكبد، فقصوا ربع الكبد ليرتاح ربع سنة، ثم يكتشف أن الملعون زحف إلى أعضاء جديدة. في كل مرة يراوغهم ويضحك عليهم ويخفي وجهه ليظهر في مكان آخر حتى أوصل صديقي إلى عالم الفناء. يقول عالم النفس فيكتور فرانكل إنه كان يهم بركوب الشاحنة التي تقل المعتقلين من معسكرات الاعتقال النازية في «داخاو» في لحظات الانفراج الأخيرة، لكن الشاحنة غصت بهم فلم يبق مكان، ليكتشف أن كل من ذهب ارتحل إلى دار الآخرة برصاص النازيين بينما هو نجا. كان يستعيد اللحظة، ليؤكد أن لا أحد له القدرة على تقديم قَدَر أو تأخيره.. اللهم نعم.