لن يكون هناك حل حقيقي، ولو كان مؤقتاً دون مشاركة بشار نفسه في المفاوضات بعد توجيهه بذلك وتلقينه الرسالة. فالنظام يُسلط الضوء على غياب النظام والتلويح الدائم بورقة إظهار سوريا كضحية للجماعات المتطرفة والإرهابية، وكأن الأجهزة الأمنية والجيش النظامي لا يعلم بأماكن إقامة ووجود معظم قيادات الجماعات المعارضة المسلحة بمختلف أنواعها وأجنداتها، خاصة من يسكن منهم في قصور سابقة للحكومة، ويعتبر نفسه خليفة للمسلمين، وهي في مرمى ومتناول سلاح الجو السوري، ولكن لماذا لا يقوم بمهاجمتها؟ والجواب كي تستمر الفوضى وكسر هالة الحالة النفسية والذهنية للمقاومة والمعارضة في العقل الجمعي السوري. ويعمل النظام الجائر وفق استراتيجية قطع الإمداد والتموين والتمركز الاستراتيجي بعقيدة قتالية تخلط بين حرب العصابات والحروب العسكرية التقليدية للتأمين والسيطرة على الطريق الدولي الحر بين المدن، واستهداف القرى التي تمثل مواقعها ملتقى طرق بين المحافظات وسلسلة الجبال الممتدة على طول ذلك الخط من درعا مروراً بدمشق إلى اللاذقية كمعقل علوي بوجود إيران و«حزب الله»، الذي يسيطر على دمشق ويضع نقاط التفتيش التابعة له في كل أنحاء المدينة. أما عن الضغط الخارجي، فالصراع بين الأطراف الإقليمية، أصبح في السر والعلانية، مما زاد في تأزم الحالة السورية، والبعد عن الحل السوري- السوري، وفي ما يخص الصراع الدولي، فهو في الحقيقة سوء تفاهم على بنود إتفاق تقسيم الكعكة، وليس صراعاً وخلافاً على المبدأ النفعي السياسي كما يظنه البعض. فمن الجانب الصيني، فإنها تعمل وفق دبلوماسية حيادية في الظاهر (صفر مشاكل)، وما يهمها في حقيقة الأمر ضمان حصتها من الطاقة وعلاقاتها الاقتصادية والأسواق المستقبلية. وتحب أن تعمل بسرية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في مناطق الصراعات في العالم، لكنها لاتُفوّت الفرصة، وتضع لها قدما بالضرورة. أما الجانب الأميركي، فإن ما يحدث في سوريا يسير وفق خطة الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة (تفكيك وتدمير وإعادة بناء مناطق النفوذ وخطوط ومنافذ تصدير الطاقة في العالم). كما أن فاتورة حل الأزمة السورية باهظة الثمن، بينما يريد أوباما أن يذكُرهُ التاريخ بالرئيس الذي لم يورط أميركا في الأزمة السورية على غرار أفغانستان والعراق، بل يريد أن يخلد في ذاكرة أميركا السياسية بالرئيس الذي أرجع أبناء الشعب الأميركي لأراضيهم سالمين، ولأهداف استراتيجية أخرى بعيدة المدى. ومن جانب مخاوف الجانب الأوروبي، فهي لا تتمركز حول المقاتلين العابرين للحدود، والذين يأتون من دول أوروبية مختلفة ويقدرون اليوم بألفين أو ثلاثة آلاف، ولكن الأرقام الحقيقة هي غير المعلنة والمكتشفة بعد، وهي سبب تصاعد مخاوف القارة الأوروبية. وماذا عسى أن تكون أوروبا فاعلة حيال عودتهم للديار، وقرب سوريا من أوروبا هو صداع آخر بالإضافة إلى أمن إسرائيل والمصالح التجارية الأوروبية، وتأثر إمدادات الطاقة القادمة للقارة العجوز. وفي ما يخص روسيا، فإن دعم نظام الأسد هو خيار وحلف استراتيجي لتحييد الجانب الأميركي، لا تراجع عنه ومن المستحيل التخلي عنه لضمان المصالح الروسية ونصيبها من تداعيات الفوضى الخلاقة وتطويقها جيوسياسياً، بجانب التخفيف من مخاوف تداعيات الوضع السوري على الأراضي الروسية والدول المجاورة لروسيا، وهي لا تعبأ بوجود أو رحيل بشار بقدر استمرار النظام. وسترد بين الحين والآخر نحن نضمن أن تدخل دمشق في مناقشات جادة بخصوص تشكيل حكومة ائتلافية في حالة الانتصار من معركة الحرب على الإرهاب. أما بالنسبة للجانب الإيراني، فأهمية سوريا مسألة حيوية لطموح إيران في أن تصبح قوة عظمى وتأمين البعد الأمني الاستراتيجي لها، فسوريا هي الطريق الدولي السريع السالك نحو إسرائيل وباب مندب شامي مفتوح لتسليح وتدريب «حزب الله»، وتملك ورقة تهديد مباشر للعمق الإسرائيلي ودرع صاروخي احترازي معنوي لحمايتها من العدوان الإسرائيلي تستخدمه بدهاء ناهيك عن الصفقات السرية بين الطرفين، وعليه مستحيل أن تتخلى عن ذلك الكسب الاستراتيجي الذي لا يقدر بثمن بجانب المصالح الاقتصادية الأخرى وطموحاته في تصدير الطاقة الإيرانية لتركيا وأوروبا وتأمين ذلك الخط بجانب إحداث التوازن السني الشيعي في صراع القوى الإقليمية ولقراءتها الجيدة لمخطط تقسيم مصادر الطاقة لدويلات متناحرة. أما عن الدعم الخليجي للمقاومة ضد النظام السوري، ردت فعل وقائية طبيعية لتأمين عمق أمنهم القومي والمذهبي ووقف نقل كرسي الإمامة إلى أراضيها والحفاظ على استقرارها السياسي، وأما بالنسبة لتركيا، فهي قوة صاعدة بوتيرة صاروخية وتحتاج للطاقة لتزدهر أكثر، فأمنها القومي مرتبط بالوضع على الأراضي السورية وهي مهددة مباشرة بالوضع في سوريا المتاخمة لها، واحتمال قيام دولة كردية، وأثر ذلك على الأقلية الكردية في تركيا، علماً بأن وقف دعم إيران وتركيا للنظام السوري، هو الحل الثاني الناجع للمسألة السورية. أما الحل الثالث، فهو الدعم الكبير للمعارضة السورية بأسلحة ستحول سوريا لأفغانستان أخرى ونتائج غير مضمونة، لمن ستميل الكفة في المستقبل المتوسط والبعيد. كما تظهر مشكلة الميليشيات الإسلامية المسلحة كتهديد حقيقي للسلام في سوريا وسيطرت كل منها على منطقة جغرافية معينة وهي تشارك في الصراع القائم بينها وبين النظام وبينها وبين بعض في صراع السيطرة والنفوذ وفق أجندات خاصة بهم أو يديرونها بالوكالة، وحروب الكر والفر المستمرة ولا انتصار عسكري حقيقي يذكر، إذا نظرنا للصورة الاستراتيجية الكبرى. فـ«جبهة النصرة» مثلاً وحلفاؤها تمكنوا من السيطرة على مدن كاملة وبنى تحتية حكومية حيوية مثل أنابيب النفط والغاز ومحطات طاقة لإنتاج الكهرباء، ومخازن محاصيل ... الخ، وباتفاقات سرية أحياناً مع النظام السوري تقوم بدور الوسيط لبيع نفط وغاز للنظام لتحصيل أكبر مداخيل ممكنة لتحقيق أهدافهما وكأنها اتفاقية تقسيم داخلية ليحقق كل طرف أحلامه ويضمن بقاءه. فالمحادثات دون اتفاق داخلي مسبق بين عناصر قمة الهرم القيادي في الأطراف المتنازعة بوساطة يقودها من يحرك خيوط دمى الصراع خلف الكواليس. وفي الميدان بشكل يومي لن تكون مجدية أبداً في الوضع السوري وآخر الحلول العملية لفك الشفرة السورية هو تدريب النازحين السوريين، وتكوين جيش قوي وكبير منهم لتحرير سوريا، وهم مواطنون عاديون ليس لهم انتماءات حزبية ودينية متطرفة. أما عن «الجيش السوري الحر»، فهو لاعب إيجابي إعلامياً فقط، ينتحر ببطء بجانب ضعف تسليحه وانقسام قياداته وأفراده من الداخل، وانخفاض الروح المعنوية وذوبانه في الميلشيات الإسلامية بعد عدة تحالفات فرضها عليه الواقع في السيطرة الميدانية، علماً بأن الكثير من أفراد تلك الجماعات أطلق سراحها النظام السوري وبأعداد كبيرة في خطته في رسم الحرب على الإرهاب لاستمراره في السلطة وتقسيم السوريين ووضعهم في حيرة من أمرهم. وبخصوص الميلشيات الشيعية المتدفقة من دول الجوار وإيران وبعض دول الخليج العربي، والتي تقدر بـ 150 ألف مقاتل وهم مدعومون من النظام الذي لا يثق بجيشه الذي يقوده ويسيطر عليه الضباط العلويون بمساعدة الخبرات الروسية والإيرانية والدعم الاستخباري الصيني. ونسبة العلويين في الجيش قد لا تزيد على 11%، والنسبة الأكبر وخاصة من الجنود هم من السُنة، ولذلك النظام السوري يعتمد في قتاله ضد المعارضة على وحدات لا يشك في ولائها، والعدد الأكبر من الجيش النظامي لا يزال في الثكنات لم يشارك في الصراع القائم في سوريا، كما لم يتم استخدام وحدات الحرس الجمهوري، وهي القوة الضاربة في الجيش النظامي ولذلك كل الدول التي تدعم المعارضة عليها إعادة النظر في مكونات وماهية المعارضة، ولنا بعد ذلك أن نتساءل أين هو الضوء الذي يتحدثون عنه في آخر النفق المظلم؟ لأن السلام وسوريا الموحدة لا يخدمان مصالح الكثير من اللاعبين البارزين في هذا الصراع. ويا ترى الدور القادم على من في الشرق الأوسط وفق نظرية الدومينو السياسية؟