عندما قرأت نبأ وصول قوات مصرية إلى أرض الإمارات الفتية غمرني شعور بالتفاؤل بالمستقبل العربي رغم أجواء الكآبة التي تحيط الأوضاع العربية، فأن يكون هناك حديث مصري وآخر خليجي عن ارتباط أمن مصر بأمن الخليج العربي شيء، وأن تتخذ خطوة عملية في تجسيد هذا المفهوم شيء آخر. لكن الحدث لم يكن أمنياً فقط وإنما كان أيضاً مناسبة سعيدة لتأكيد مشاعر الود المتبادل بين الشعبين من قبل الحكومتين في مصر والإمارات. لم تبدأ قصة العلاقة بين الأمن المصري وأمن الخليج بـ«زايد 1» وإنما تعود بدايتها إلى خمسينيات القرن الماضي عندما تصدت مصر لمشروع «حلف بغداد» وكان من شأنه أن يربط المنطقة العربية بمنظومة الأحلاف الغربية التي تهدف إلى تطويق الاتحاد السوفييتي. في ذلك الوقت وقفت السعودية إلى جانب مصر حتى تمت هزيمة مشروع امتداد الحلف إلى باقي أجزاء الوطن العربي. وربما يكون هذا التحالف المصري- الخليجي متمثلاً آنذاك في التضامن المصري- السعودي ضد حلف بغداد قد صادف شرخاً عميقاً إبان الصراع في شمال اليمن في الستينيات حيث كانت مصر تؤيد الطرف الجمهوري في ذلك الصراع فيما كانت السعودية تؤيد الطرف الملكي، ورتب هذا التعارض في المواقف تداعيات شديدة السلبية على العلاقات المصرية- السعودية وصلت إلى حد قطع العلاقات الدبلوماسية، غير أن عدوان إسرائيل في 1967 سرعان ما أعاد الاعتبار إلى مفهوم الأمن المشترك. في ذلك الوقت حدثت واقعة ربما لم يلتفت إليها البعض في حينه وهي قيام الشيخ زايد، عليه رحمة الله، بوقف إمدادات النفط من إمارة أبوظبي إلى الدول المؤيدة لإسرائيل. كان الشيخ زايد آنذاك يلتمس طريقه إلى بناء دولة الإمارات العربية المتحدة لكن سياسته ومواقفه العربية كانت بادية الوضوح منذ البداية، غير أن سرعة وقوع الهزيمة لم تجعل هذا القرار يأخذ مكانه الحقيقي في السياسة العربية، وفي قمة الخرطوم (أغسطس- سبتمبر 1967) التزمت كل من الكويت والسعودية وليبيا بتقديم دعم سخي لدول المواجهة يستمر حتى إزالة آثار العدوان الإسرائيلي. وجدير بالذكر أن هذا الدعم ظل مستمراً بالنسبة لمصر حتى زيارة أنور السادات القدس في 1977. ومثلت حرب أكتوبر 1973 نقلة نوعية في مفهوم الأمن العربي حيث قامت مصر وسوريا بالدور الأساس في المجهود الحربى ولكن ثماني دول عربية على الأقل شاركت في أعمال القتال بقوات برية أو جوية أو بهما معاً، ولا تقل عن ذلك أهمية أن الدول المصدرة للنفط العربي وجلها من دول الخليج قد قررت بعد أن تأكدت من جدية الحرب والأداء المصري/ السوري اللافت فيها حظر تصدير نفطها إلى الدول المؤيدة لإسرائيل وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وقد كانت لهذا القرار آثاره الإيجابية الواضحة على مجريات القتال، كما أن آثاره المعنوية لم تكن لتقل أهمية عن آثاره المادية، وظل القرار سارياً حتى يناير 1974 عندما طلب السادات وقفة من أجل التوصل إلى اتفاقية فض الاشتباك الأولى. وعندما قرر السادات في نوفمبر 1977 أن يغير جذرياً طريقة إدارته للصراع مع إسرائيل فزار القدس، ثم دخل بعد ذلك في مفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، أدى ذلك كما هو معروف إلى ردود فعل عربية عامة ترفض هذا النهج الجديد لخطورته على الأمن العربي، وكانت دول الخليج العربية بطبيعة الحال جزءاً من هذا الرفض، ومع توصل السادات إلى اتفاقيتي كامب ديفيد في سبتمبر 1987 قررت الدول العربية ومنها الدول الخليجية -عدا سلطنة عمان- قطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر إذا أفضت «كامب ديفيد» إلى معاهدة سلم بين مصر وإسرائيل، ومع عقد هذه المعاهدة بالفعل في مارس 1979 تم تنفيذ ذلك القرار. غير أن العوامل البنيوية في النظام العربي تكفلت بإعادة وصل ما انقطع من علاقات مصرية- عربية بعد سنوات قليلة، فخلال تلك السنوات تفجرت الحرب العراقية- الإيرانية في 1980، ومع تطور هذه الحرب برز الخطر الإيراني على أمن الخليج خاصة وعلى الأمن العربي عامة، ولم يكن ممكناً التحسب لمواجهة هذا الخطر في ظل شقاق عربي فانعقدت القمة العربية في عمان 1987 وقررت ترك الحرية للدول العربية في أن تعيد علاقاتها الدبلوماسية مع مصر على أساس ثنائي وكانت دول مجلس التعاون الخليجي في مقدمة الدول التي فعلت ذلك على نحو فوري، غير أن انتصار العراق في هذه الحرب في 1988 قلل كثيراً من الحاجة لدور مصري في حماية أمن الخليج، وهو الأمر الذي تغير جذرياً مع الغزو العراقي للكويت في 1990 إذ قامت مصر بدور فاعل في إخراج القوات العراقية في يناير- فبراير 1991، وتم التوصل في مارس من السنة نفسها إلى «إعلان دمشق» الذي أعطى مصر وسوريا دوراً في حماية أمن دول مجلس التعاون الخليجي، غير أن اعتبارات إقليمية وعالمية ضاغطة أدت إلى تصفية مضمون الإعلان مع حلول شهر يونيو. لم تتعرض بنية هذه العلاقات لأي اهتزاز إلا مع انفراد جماعة «الإخوان المسلمين» بحكم مصر لمدة عام بدأ في 30 يونيو 2012، وفى ذلك العام لم يتضح خطر هذه الجماعة على مصر وحدها وإنما أيضاً على باقي الدول العربية بل على صيغة النظام العربي ككل، وكان نصيب دول مجلس التعاون الخليجي واضحاً، فقد اكتشفت سلطات دولة الإمارات تنظيماً إخوانياً يسعى لقلب نظام الحكم، وتلفظ نفر من قادة تلك الجماعة بتصريحات تسيء إلى هذه الدولة وشعبها أثارت استياء شعبياً مصرياً واضحاً، وبدأت دول المجلس عدا قطر ترصد محاولات للتدخل في شؤونها وأصبح خطر «المشروع الإخواني» في الوطن العربي وبالذات في منطقة الخليج واضحاً، ولذلك فعندما بلغ الرفض الشعبي المصري لنظام حكم «الإخوان» ذروته وأسقطت الجماهير المصرية ذلك النظام بتحركها غير المسبوق في 30 يونيو 2013 ومساندة القوات المسلحة لها في 3 يوليو لم تجد الدولة المصرية سنداً لها أقوى من دعم المملكة العربية السعودية ودولتي الإمارات والكويت في مواجهة السياسات الأميركية والأوروبية والتركية والإيرانية التي اعترضت على إسقاط حكم «الإخوان» بهذه الطريقة بل وفرض بعضها عقوبات على مصر، ولم يكن هذا الدعم سياسياً فحسب وإنما امتد إلى المجال الاقتصادي بدعم مالي واستثماري سخي، بل لقد امتد الدعم المالي إلى تمويل صفقة الأسلحة المصرية- الروسية التي تم الاتفاق عليها من حيث المبدأ لتعويض النقص في تسليح القوات المسلحة المصرية بسبب العقوبات الأميركية على مصر الأمر الذي يعني أن الدول الخليجية الثلاث معنية بأمن مصر تماماً كما أن مصر معنية بأمن هذه الدول ولذلك فإن «زايد 1» بداية لمرحلة تطور نوعي في العلاقات المصرية الخليجية، وقد يكون في هذا التطور ما ينبئ بتطور مماثل في النظام العربي يساعد على إصلاحه، ويحقق الحلم القديم للشيخ زايد عليه رحمة الله عندما بادر دون تردد وهو ما زال يلتمس طريقه إلى تأسيس دولة الإمارات بقطع إمدادات النفط عن المعتدين في يونيو 1967.