تحيي العديد من المنظمات الصحية، الدولية والمحلية، بداية الأسبوع القادم، الذكرى السنوية ليوم السل العالمي، والذي يحل كل عام في الرابع والعشرين من شهر مارس. وتأتي فعاليات العام الحالي، على خلفية من تحديات جسام، لا يزال يواجهها البشر في معركتهم التاريخية ضد هذا المرض اللعين. فعلى رغم تحقيق تقدم ملحوظ في الأهداف العالمية، الرامية لخفض حالات العدوى بميكروب السل التي شهدت تراجعاً ملحوظاً، وفي الوفيات الناتجة عنه التي شهدت هي الأخرى انخفاضاً بنسبة 45 في المئة منذ بداية عقد التسعينيات، نتيجة تطورات ملحوظة في سبل التشخيص السريع، وبسبب تطوير مستمر في الأدوية والعقاقير المستخدمة في العلاج، إلا أن السل يظل مع ذلك يمثل أحد أكبر الأعباء المرَضية التي لا زالت تثقل كاهل أفراد الجنس البشري. وحسب تقديرات وإحصائيات عام 2012، أصيب 8,6 مليون شخص بالعدوى بميكروب السل للمرة الأولى، وتوفي 1,3 مليون بسبب مضاعفات المرض. وتضمن نطاق العدوى والوفيات جميع فئات المجتمع، بغض النظر عن العمر أو الجنس. حيث أصبح السل يحتل المرتبة الثالثة على قائمة أسباب الوفيات بين النساء ما بين سن الخامسة عشرة والرابعة والأربعين. وبين الأطفال، تصيب العدوى نصف مليون طفل سنوياً، كما يلقى 74 ألفاً من هذه الفئة العمرية حتفهم بسبب المرض كل عام. وعلى رغم أن 95 في المئة من مجمل الوفيات الناتجة عن السل تقع في الدول الفقيرة والنامية، إلا أن سكان الدول الصناعية والغنية، وحتى تلك التي تتمتع بأفضل نظم رعاية صحية في العالم، ليسوا أيضاً بمنأى عن مخاطر السل، في ظل تصاعد قدرة الميكروب على مقاومة العقاقير المستخدمة في العلاج، وتزايد فرصه للتنقل والترحال بين الدول والقارات بسهولة ويسر، في غضون ساعات قليلة. والسل مرض معدٍ، وقاتل في كثير من الأحوال، يتسبب فيه نوع خاص من البكتيريا يصيب غالباً الرئتين، وإن كان يمكنه كذلك إصابة أجزاء أخرى من الجسم. وتقع العدوى من خلال الرذاذ الناتج عن سعال، أو عطس، أو بصق الشخص المصاب بالحالة النشطة من المرض، حيث يتسبب المريض الواحد في انتقال الميكروب إلى ما بين عشرة إلى خمسة عشر شخصاً آخر سنوياً. ويعتبر السل واحداً من ثلاثة أمراض تشكل ما يمكن أن نطلق عليه محور الشر الطبي، الذي يتضمن أيضاً كلا من الأيدز، والملاريا. فبمرور كل ثانية، ينجح ميكروب السل في غزو جسد شخص ما، متسبباً في محصلة نهائية من الوفيات تضعه في المرتبة الثانية على قائمة الأمراض المعدية الأكثر فتكاً بأفراد الجنس البشري، وهي القائمة التي لا يسبقه فيها إلا فيروس الأيدز أي مرض نقص المناعة المكتسب، ويليه فيها أيضاً طفيلي الملاريا. وعلى رغم موجة التفاؤل التي سادت المعنيين بجهود مكافحة مرض السل على الصعيد الدولي خلال العقدين الماضيين، انطلاقاً من نجاح استراتيجية مكافحة المرض خلال تلك الفترة (Stop TB Strategy)، المنسوب إليها إنقاذ حياة 20 مليون شخص بين عامي 1995-2011، إلا أن هذه الموجة قد شهدت انحساراً ملحوظاً مؤخراً، في ظل تزايد المخاوف من فشل جهود التحكم والوقاية، والشعور بالحاجة إلى منهج ورؤية حديثة في التعامل مع السل، نتيجة ارتفاع معدلات الإصابة بأنواع الميكروب المقاومة لجميع أنواع العلاج المتاحة، مما يجعلها غير قابلة للعلاج تقريباً. ويمكن تقسيم أنواع ميكروب السل حسب قدرته على مقاومة الأدوية والعقاقير إلى ثلاثة أنواع رئيسية؛ النوع الأول هو المقاوم لنوع واحد على الأقل من الأدوية، وهو ما أظهرت الدراسات أنه موجود في جميع الدول التي خضعت للدراسات الطبية. والنوع الثاني أو متعدد المقاومة (MDR-TB)، يتمتع بمقاومة عدة عقاقير، أو على الأقل أقوى عقارين وأكثرهما فعالية في القضاء على الميكروب. أما النوع الثالث، أو ما يمكن أن نطلق عليه فائق المقاومة (XDR-TB)، فيتمتع بقدرات شبه خارقة، تمكنه من الصمود أمام الغالبية العظمى من العقاقير المتاحة حالياً. وتنتج مشكلة مقاومة ميكروب السل للعقاقير والأدوية المستخدمة في العلاج من الممارسات الخاطئة في علاج المصابين بالمرض مثل التوقف عن تعاطي العلاج قبل حدوث الشفاء التام، أو وصف جرعة غير كافية من الأساس، بالإضافة إلى ترسخ جريمة ترويج وبيع الأدوية المزورة، وهي الظروف التي تفاقم جميعها من مشكلة السل حول العالم. ومما يفاقم من فداحة الوضع العالمي الحالي -على رغم أن السل في الغالبية العظمى من الحالات مرض يمكن علاجه- كون الجهود الرامية لتشخيص، وعلاج، وتحقيق الشفاء للمصابين بالمرض، لا زالت غير كافية. فمن بين التسعة ملايين الذين يصابون بالمرض سنوياً، تعجز نظم الرعاية الصحية حول العالم، في الوصول إلى ثلث هؤلاء، أو ما يعادل ثلاثة ملايين شخص. ومن السهل إدراك أن هذا الفشل أو القصور، يظل هو العائق الأكبر، أمام الجهود الرامية لوقف المجزرة البشرية التي يرتكبها ميكروب السل منذ بدايات التاريخ وحتى وقتنا هذا، والتي أصبحت أطرافها تلامس مؤخراً، شواطئ ومدن أغنى دول العالم وأكثرها تقدماً.