في عالم العلاقات الدولية توجد دائماً فرصة بين تصعيد النزاع والحلول الدبلوماسية.. ولطالما كانت الدبلوماسية هي الطريق الأمثل لنزع فتيل الأزمات بين الدول.. وفي أحيان كثيرة حتى عندما تتفاقم الأزمة وتقع حرب ويفجر صاعق النزاع تبقى كما يقول المفكر الاستراتيجي العسكري «فان كلازويتز» «الحرب كاستمرار للدبلوماسية بطرق أخرى». ومن أبرز أمثلة فاعلية الدبلوماسية لنزع فتيل نزاع وصل في خطورته إلى حد يهدد بنشوب حرب نووية مثال ما عُرف بـ«أزمة الصواريخ الكوبية» حيث تم احتواء مشكلة الصواريخ الروسية في كوبا عام 1962. واليوم بسبب زيادة منسوب النزاعات والحروب تبرز من جديد أهمية الدبلوماسية لنزع فتائل الأزمات المزمنة كالصراع العربي الإسرائيلي، وهو أقدم صراع واحتلال في العالم، ويقترب من الذكرى السادسة والستين لتفجره. وتذكر أدبيات الحرب الباردة أن نهاية تلك الحرب وهزيمة الاتحاد السوفييتي سياسياً وكنظام وإيديولوجية كانت تبشر بما عُرف بـ«عوائد السلام»‏Peace? ?Dividends? ? ولكن? ?بعد? ?عقدين? ?ونصف? ?العقد على? ?نهاية? ?الحرب? ?الباردة? ?يشهد? ?النظامان? ?العالمي? ?والإقليمي? ?عودة? ?حرب? ?باردة? ?جديدة? ?بين? ?الولايات? ?المتحدة? ?وحلفائها? ?الأوروبيين? ?من? ?جهة?، ?والاتحاد الروسي، وريث? ?الاتحاد? ?السوفييتي، من جهة أخرى. و?تشكل? ?الأزمة? ?الأوكرانية? ?الصدع? ?الكبير? ?والمؤشر الخطير على? ?عودة? أجواء ?الحرب? ?الباردة،? ?وقد? ?تتبعها? ?جورجيا? ?وجمهوريات? ?البلطيق? ?الثلاث? ?ومالدوفا.? ?وهناك? ?حرب? ?باردة? ثانية تتصاعد? ?إلى ساخنة? ?باستخدام? ?القوة? ?المتقطعة? ?بين? ?إسرائيل? ?و«حماس»? ?و«حزب? ?الله».? ?وثمة? ?حرب? ?باردة? ?أخرى? ?بين? ?العديد? ?من? ?دول? ?مجلس? ?التعاون? ?الخليجي? ?وإيران.. واليوم? ?مع? ?استدعاء? ?سفراء? ?ثلاث? ?دول? ?خليجية -هي السعودية? ?والإمارات? ?والبحرين-? ?من? ?قطر، تبرز? ?أيضاً حرب? ?باردة? ?أخرى? ?غير? ?مسبوقة? ?داخل? ?كيان? ?مجلس? ?التعاون?، الذي? ?بقي? ?هو التجمع? ?الإقليمي? ?الأكثر? ?نجاحا?ً ?وصموداً? ?في وجه? ?الكثير? ?من? ?التهديدات? ?والتحديات? ?والمتغيرات? ?الإقليمية? ?والعربية? ?والدولية... فإذا? ?به? ?يواجه? ?تحدياً? ?من? ?الداخل، فيما? ?قد? ?يُعد? ?أكبر? امتحان ?لكيان? ?ومستقبل? ?مجلس? ?التعاون ?لدول? ?الخليج? ?العربية? ?مع? ?اقتراب? ?الذكرى? ?الثالثة? ?والثلاثين? ?لقيام? ?المجلس. وهناك أيضاً تعويل قد لا يكون واقعياً في توظيف الدبلوماسية في ملفين آخرين بالغي الأهمية والتعقيد هما ملف الثورة السورية التي دخلت الذكرى الرابعة لاندلاعها في ظل غياب فرص حل دبلوماسي يُنهي معاناة الشعب السوري الذي تحول نصفه إلى مشرد ولاجئ ونازح، فيما يستمر انسداد أفق الحل.. مع استعداد الأسد للترشيح في الصيف القادم على جثث وأشلاء شعبه لفترة رئاسية ثالثة.. وكذلك يبرز دور الدبلوماسية أيضاً في ملف التفاوض بين المجتمع الدولي المتمثل بمجوعة 5+1 وإيران حول ملفها النووي.. في جولات مفاوضات يؤمل أن تتوصل إلى اتفاق دائم حول النووي الإيراني وملفات أخرى كما يطالب حلفاء واشنطن القلقون من أبعاد نهايات التفاوض دون أن يشمل الملفات التي تؤرق حلفاء واشنطن وخاصة دول مجلس التعاون. وهكذا يبدو واضحاً السباق بين الحرب من جهة وبين الدبلوماسية والتهدئة من جهة أخرى.. ويبرز ذلك في جميع الملفات من الصراع العربي الإسرائيلي، إلى ملف إيران النووي، ومن رأب الصدع الخليجي بالتعويل على الوساطة الكويتية، إلى المنازلة بين روسيا والغرب حول تبعية أوكرانيا وانفصال شبه جزيرة القرم وانضمامها إلى روسيا. وحتى تنجح الدبلوماسية يجب أن تتوافر لدى الوسيط قوة الإقناع والضغط لتقديم تنازلات من الطرفين، وأن يُنظر إلى الوسيط من الطرفين المتنازعين على أنه محايد وموضوعي. واليوم تبدو القوة الأكبر والأكثر نفوذاً وتأثيراً على المسرح الدولي وهي الولايات المتحدة متراجعة ومنكفئة. كما بدت غير حاسمة ومترددة في التعامل مع جميع الملفات التي أشرنا إليها. وهذا يقلل من فرص نجاح الدبلوماسية. ويرى الكاتب الأميركي «جورج ويل» أن الأزمات المتفجرة في أوكرانيا وسوريا وإيران تشكل فشلاً كلياً لاستراتيجية أوباما التي أعلنها في بداية ولايته الأولى الرامية إلى «إعادة ضبط العلاقة مع روسيا»‏. ف?الدور? ?الروسي? ?معيق? ?مع? ?إيران، ومدمر? ?في? ?سوريا،? ?ومهيمن? ?في? ?أوكرانيا.? ?وموقف? ?إدارة? ?أوباما? ?تجاه? ?كل تلك? ?الأزمات? ?يبقى? ?عقيماً?! ?ولهذا? ?السبب? ?فشلت? استراتيجيتها. واضح منذ البداية أن مقاربة الولايات المتحدة للكثير من القضايا المهمة والمؤثرة في المنطقة العربية لم تكن على مستوى الأحداث وخطورتها وتداعياتها، وخاصة في الموقف المتردد من الثورات العربية، والقيادة من الخلف في ليبيا، والتخبط والتذبذب في التعامل مع التغيرات في مصر، والتردد والتقلب والاستدارة في التعامل مع سوريا وخاصة بعد حادثة استخدام النظام للكيماوي ضد شعبه في غوطتي دمشق، على رغم حشد أوباما للرأي العام والقوات ورفع مؤشر التهديد والوعيد باستخدام القوة بعد تجاوز الأسد للخط الأحمر، لينتهى الأمر بالتراجع عن ذلك، ما شجع خصوم أميركا على تحديها وعدم الخشية من تهديدات إدارة أوباما، كما يفعل الأسد، و«كيم جونغ أون» في كوريا الشمالية، وحتى فيكتور يانوكوفيتش رئيس أوكرانيا المعزول وحليف موسكو الذي أطيح به الشهر الماضي والمطلوب للعدالة بعد فراره إلى روسيا.. وصولاً إلى ما يجري من استفتاء في شبه جزيرة القرم لانضمامها إلى روسيا الاتحادية في خطوة ذكية ومفضوحة من موسكو هي أقرب إلى الاحتلال الناعم.. وتغيير المعطيات على الأرض بسبب الجغرافيا والجيو-استراتيجية حيث تشكل أوكرانيا العمق الأوروبي لروسيا وإطلالتها الوحيدة على البحر الأسود وطريقها إلى مياه البحر الأبيض المتوسط.. ولذلك أبقت موسكو فيها لعقود مقر أسطولها في البحر الأسود مقابل رشوة أوكرانيا حيث تزويدها بغاز بأسعار مفضلة، وبقاء الحجة جاهزة بحق الدفاع عن الأقلية الروسية في أوكرانيا التي تصل إلى 20 في المئة من الشعب الأوكراني والأغلبية الروسية في شبه جزيرة القرم التي تستعد لانفصال ناعم عن أوكرانيا واحتلال ناعم من روسيا. والراهن أن الدبلوماسية تتراجع اليوم مقابل تقدم النزاعات والصراعات في أكثر من إقليم. وواضح تنامي الشعور بانقسام الدول الكبرى، وتخلي الدولة الأقوى في النظام العالمي عن دورها القيادي، وعجز أطر المجتمع الدولي وخاصة الأمم المتحدة عن ممارسة الدور المنوط بها.. وفي الذهن استخدام روسيا «الفيتو» لإجهاض قرار من مجلس الأمن يندد باستفتاء القرم الذي تدعمه روسيا، ما يؤكد ارتهان الأمم المتحدة لمصالح القوى الكبرى.. ولذلك فمن المطلوب أيضاً إصلاح الأمم المتحدة وتغيير أو تعديل حق «الفيتو» الذي كان يعكس حال النظام العالمي قبل سبعين عاماً عندما قامت الأمم المتحدة وكتب ميثاقها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية. وفي المجمل تبقى الفرص مواتية لتفعيل الدبلوماسية.. وذلك لأن تكلفة الحرب والمواجهة تبقى أكبر، وبمردود أقل. ولكن ذلك بحاجة إلى تفكير عقلاني، وممارسة دور قيادي، وتغليب المصالح العامة على المصالح الضيقة، وتقديم تنازلات من الأطراف المعنية... وهذه هي المعادلة المطلوبة لنجاح الدبلوماسية وتجنب أهوال الصراع والحرب.