قد تكون قطر أكثر دول الخليج تداخلاً وتشابكاً مع الإمارات، فأبناء العم والخال ينتشرون بين البلدين بشكل لافت، ودرجة التشابه بين المجتمعين من قيم وعادات وتقاليد تكاد تتطابق حتى في التركيبة الاجتماعية والمواصفات العامة لهذه التركيبة. وأن يكون هناك خلاف بين الأشقاء، فهذا وارد وربما كان صحياً حتى يتسنى للطرفين دراسة أوضاعهما وأن يعمل أحدهما على تقويم أموره. وليس من المفترض أن يتداول الخلاف الخليجي على مستوى شعبي، فالفتنة التي تحيط بالمنطقة ليست هينة، ولا يجب الانشغال عنها بخلافات جانبية، بقدر ما ينبغي الاهتمام بتعزيز الدعامات الخليجية، وتقوية أسسها لمواجهة خطر الفتنة ووأدها قبل استفحالها. وأزعم أن الخلاف مؤقت، فالأشقاء لايمكنهم الاستغناء عن بعضهم البعض، ولابد من حقيقة ترضي جميع الأطراف وتهدئ الأجواء غير المستقرة. ولعل ما تسعى له بعض الدول من بناء علاقات متميزة مع إيران يدلنا أيضاً على ضرورة إعادة النظر في علاقتنا بطهران الجارة الخطيرة الذي لا يؤمن جانبها، ولايمكن الوثوق بها مع تراكم الخبرة وطول العلاقة بها. وما لا يدركه البعض أن حتى العلاقة مع إيران هي علاقة تاريخية وتجارية، لا يمكن بأي حال من الأحوال التخلص منها أو اعتبارها علاقة مؤقتة، فإيران لا يمكنها الاستغناء عن علاقاتها التجارية بمحيطها الإقليمي، فمثلاً دبي رئتها الاقتصادية، وهو أمر تتميز به دبي التي لديها مقومات تستفيد منها أغلب دول المنطقة دون النظر للخلاف السياسي القائم. يجب أن يكون الحوار هو اللغة الأهم للبحث عن مخارج للأزمات. وبالنسبة لإيران، فإن موقفها ضد الشعب السوري، أفقدها مصداقيتها، وجعل الفكر الطائفي يسيطر على الكثير من الأمور، مما أفقدها ثقلها الإقليمي، وحوّلها إلى دولة تلعب دوراً سلبياً في محيطها الإقليمي، حتى وإنْ كانت العلاقات السياسية هادئة. لعبة السياسة لايدركها العامة، ولا يمكن أن يتصور أبعادها إلا من خاضها، أو تعلمها كعلوم أصيلة، فالبعد الشعبي في هذا الخلاف،لابد وأن يكون له نهاية ترضي الجميع بلا استثناء. الحوار هو منطلق التفاهمات في كل تفاصيل الحياة اليومية، وهو منطلق أي لغة سياسية مهما كانت الأزمة المختلف عليها. ويمكن القول إن مثل هذا الخلاف والتصدع في الجدار الخليجي يجب ألا يزداد، ولا يتوغل أكثر ليدخل منه أصحاب الفتنة والمصالح الذين يطربون من أي مشاكل تقع بين الأشقاء. فالمتربصون كثر، واللاعبون على جراحات الجسد الواحد لديهم ما يدفعهم نحو الانتقام والتشفي والبحث عن فرص لتحقيق مصالحهم الخاصة، دون أدنـى ضمير تجـاه ما يجري فـي دول الجسد الواحد. وأزعم أننا في حاجة إلى الالتفاف نحو الداخل، ونحو الأخوة بعيداً عن الذين يوسعون الشق ويأتون بالإفك واحداً تلو الآخر.