برعاية سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية بدولة الإمارات العربية المتحدة، انعقد يوما 9 و10 مارس (2014) بأبوظبي منتدى لتعزيز التضامن في مجتمعات المسلمين. وقد ترأس لجنته العلمية الشيخ عبدالله بن بيه العالِم المعروف، وحضره زُهاء مائتين وخمسين عالماً وأستاذاً ورجل فكر، وكان من ضمنهم شيخ الأزهر، ورئيس جامعة القرويين، ورئيس جامعة الزيتونة، ورئيس رابطة علماء المغرب، ومفتي مصر، ووزير الأوقاف فيها، إضافة لوزراء أوقاف آخرين من الدول العربية، وعلماء ومسؤولين مسلمين من دول آسيا وأفريقيا. لقد كانت لهذا الاجتماع قدرات تمثيلية بارزة، بالنظر للهدف أو المقصد الذي يسعى إليه، وهو مكافحة العنف باسم الدين في المجتمعات والدول الإسلامية. لقد تنوعت الآراء في أسباب ظواهر العنف ومآلاته، لكنّ الباحثين عملوا تحت مظلة أربعة محاور: القيم الإنسانية والعيش المشترك، وتصحيح المفاهيم، وإشكاليات الفتوى في زمن الفتن، وإسهام الإسلام في السلم العالمي. وهكذا فهناك ملفّان نقديان، وملفان إيجابيان أو فيهما مبادرة إذا صح التعبير. الملفان النقديان هما: إشكاليات الفتوى، وتصحيح المفاهيم. وقد سمّى صاحب الخطة العلمية للمؤتمر الموضوع الأول: الفتوى في زمن الفتن. وقصد بذلك إلى أن الفتوى التي تُعنى بالمستجدات، وتحلُّ الإشكاليات لا ينبغي أن تتحول إلى دعوى تفرقة ونزاع بين المسلمين، بيد أن الأمر تجاوز ذلك، إلى ما هو أخطَر. بمعنى أنّ الأخطار في الفتاوى ما كانت بسبب عدم المعرفة أو التصرف على سبيل المثال، بل لأنه حصلت تحويلات في المفاهيم جعلت من الحق باطلاً ومن الباطل حقاً. ويُضاف إلى ذلك بالطبع قلة المعرفة والتسرع لدى الدعاة الجدد وأهل الخطابات الموتورة. لكنْ لنبقَ لحظات في مسألة تصحيحات المفاهيم أو تحويلاتها. ففي أفكار شبان وكهول المسلمين اليوم منزعان خطيران: منزع مجاهدة ومقاتلة ما يعتبرونه منكراً بداخل مجتمعات المسلمين وبالخارج، ومنزع تسييس الإسلام أو ما صار يسمَّى «إقامة الدولة الإسلامية» واستعادة «الشرعية» إلى الدول والمجتمعات من خلال ذلك! أما المنزع الأول فهو ظاهر منذ ثلاثة عقود، وقد تسبب في انشقاقات داخل الإسلام السني، لأنه يقول بإحلال دم المسلمين الآخرين بداعية التكفير، كما يستحل لنفسه وعبر ممارسة العنف دفع العالم للاصطدام بالمسلمين، لأنه يبادر للهجوم عليهم، وبممارسة الإرهاب في ديارهم. وفي ذلك تغيير ضخمٌ في المفاهيم القرآنية والنبوية، والذي ترتبت عليه شرذمةٌ هائلةٌ وعنف هائل تتصاعد الآن موجته الثانية بعد موجة «القاعدة» الأُولى التي حوَّلت الإسلام إلى مشكلة عالمية. أمّا النزعة الثانية، نزعة تسييس الإسلام، فتكاد تكون أخطر، بل هي أخطر بالفعل، لأنها واسعة الانتشار، وقد استقرت في الأخلاد والأفكار، ويصعُبُ إخراجُها. ثم إنها رغم ظاهرها السلْمي تحولت إلى العنف بسرعة قياسية. وأعني بذلك ما صار يعرف بالإسلام السياسي. فهو يقوم على الاعتقاد بزوال الشرعية عن دول المسلمين ومجتمعاتهم، وبأنه لابد من استعادتها عبر إقامة «الدولة الإسلامية»! ومجتمعات المسلمين تحتضن القرآن والسنة، وتتبادل معهما الشرعية والمشروعية ولا يمكن زوالهما بأي حال وتحت أي ظرف. فقد قال سبحانه وتعالى: {اليوم أكملْتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينا}. إنما بسبب الاستعمار والتغريب والدول الوطنية العربية والإسلامية ذات المنزع العسكري والأمني، صارت لهذا المنزع المتطرف والمحوِّل للمفاهيم شعبية، ظهرت بوضوح بعد اندلاع أحداث «الربيع العربي». لابد إذن من تحرير المفاهيم، وضرب تحويلاتها لمصلحة الإسلام والمسلمين. وذلك عبر مقاومة نزعة التكفير، ونزعة استحلال العنف ضد النفس والآخر، ونزعة اعتبار أن الدين يملك نظاماً سياسياً مُوحىً ولو في قواعده الكبرى، وأنه لا شرعية إلا بتطبيقه أو إنفاذ ما صار يُعرفُ بتطبيق الشريعة! لكن من الذي ينبغي أن يقومَ بذلك؟ لا يمكن أن يقوم بعمليات تصحيح المفاهيم غير العلماء المجتهدين، الذين ما دخلوا في الحزبيات والتطرف. وأكثر ما يوجد هؤلاء في المؤسسات الدينية التي ما كانت فاعلة في الزمن الماضي. ما كانت فاعلة لوقوعها بين السلطات وضغوطها وضروراتها من جهة، والجهاديين وجماعات تسييس الإسلام من جهة ثانية. ويحتاج الأمر الآن إلى خطوتين: إعادة بناء تلك المؤسسات بهدوء وعقلانية، و«تجديد التقليد» فيها. حيث تستطيع أداء وظائفها ومهماتها بكفاءة ومسؤولية. علينا أن نكافح «الجهاديات» باسم الدين بكل ما نستطيع، لأنها نزوع انتحاري يضرب بالداخل، ويثير النزاعات الهائلة مع الخارج. إنما علينا أيضاً أن نتصدى لعمليات تحويل المفاهيم، التي اصطنعها الإسلام السياسي، والتي تهدِّد بتغيير «طبيعة الدين». فقد أقامت رؤية «الحاكمية» تنظيمات هائلة توشك باسم دمج الدين والدولة أن تدمِّر الاثنين معاً. وكما حدث هذا الانشقاق في الإسلام السني، حدث في الإسلام الشيعي من خلال «ولاية الفقيه» التي حوَّلت المذهب الشيعي المُسالم إلى تنظيمات مقاتلة! وهكذا فلدى العلماء العاملون في المؤسسات الدينية المتجددة هدفان: الإعداد لإعادة البناء، وفي الوقت نفسه الانصراف بقوة لتحرير المفاهيم وتصحيحها بحيث تزول بالنقد والتصحيح أَوهامُ الأُصوليات وطموحاتها السلطوية التي استعبدت الدين والشبان وأرسلتهم وتُرسلهم للهلاك في الدنيا والآخِرة. أما القسم الآخَر الكثير من المهمة التي على مفكري المسلمين وعلمائهم القيامُ بها فهو ما وضعه الشيخ عبدالله بن بيه تحت العنوانين الآخَرين: القيم الإنسانية والعيش المشترك، وإسهام الإسلام في السلم العالمي. ويعني ذلك العودة إلى قيم الدين الأساسية، إلى الكلمة السواء التي دعانا القرآن الكريم للاحتكام إليها مع أنفسنا ومع الآخرين. وقد مضت علينا عقودٌ عاد خلالها كثير من علمائنا إلى «مقاصد الشريعة»، وهي تعبيرٌ آخر عن قيم العيش المشترك. وهذه هي الخطوة الأساسية في عمليات تصحيح المفاهيم وإعادة التأسيس. أما المهمة الأخرى المتعلقة بإسهام الإسلام في السلم العالمي؛ فإن هذه الرسالة الواضحة لديننا جرى التنكُّر لها خلال العقود الماضية كما أوضحتُ في كتابي «الصراع على الإسلام» (2004). بيد أن ما يقترحه العالم الجليل عبد الله بن بيه ضرورة قصوى، لأن العالم ومنذ سنوات عشر وأكثر، يكاد يُجمعُ على مواجهة ديننا أو هذا النزوع الجهادي والأُصولي فيه. والذي أراه أن العودة لتأكيد المشتركات والقيم العامة، هي السبيل الأجدى للدخول في دعوة السِلْم مع العالم وفيه، رغم الآلام والمصاعب الحاصلة نتيجة الصدام أو بسببها. يشكّل منتدى الإمارات إذن خطوة تأسيسية، نلتقي حولها من أجل بدايات متجددة في مواجهة العنف والانشقاقات، ولحماية الدين والدولة.