يتألق وجه «سوريمان» عامل المياومة الإندونيسي بابتسامة عريضة وهو يشير إلى صفحات ثلاث لها مظهر رسمي يمسكها مشبك واحد ومسجل بها اسمه وسنه وعليها خاتم يؤكد إدراجه في برنامج الرعاية الصحية الإندونيسي الشامل الجديد. وأعرب «سوريمان» الذي يستخدم اسماً واحداً مثل كثير من الإندونيسيين عن فرحته قائلًا «اعتدت على أن اقترض المال لأذهب للطبيب، إنني أشعر بأن الفرج قد حل». فإندونيسيا تعتزم العمل بأكبر برنامج لتأمين الرعاية الصحية في العالم يمول من جهة واحدة وعلى مراحل من الآن وحتى عام 2019. وبموجب البرنامج الجديد فالحكومة ملتزمة بتقديم رعاية صحية شاملة لمواطنيها البالغ عددهم 247 مليون نسمة رغم أن أصحاب العمل والمواطنين الأكثر ثراء سيتعين عليهم دفع أقساطهم من التأمين. وكان البرنامج قد أجازه قانون أُقر عام 2004. لكن معارضة اعترضت سبيل القانون حتى الآن لأنه يلزم أصحاب العمل بدفع أقساط التأمين. وتلكأت الحكومة أيضاً في التطبيق لكن جماعة مدافعة عن حقوق العمال فازت في دعوى قضائية تقدمت بها ضد الحكومة اتهمتها فيها بالتقاعس عن تنفيذ القانون. لكن محاولة الحكومة لأن تشمل الجميع بالخدمات الصحية، يعد مؤشراً على طموحات إندونيسيا وتوقعاتها المتزايدة. ووسعت إندونيسيا تأمينها الصحي المجاني ليشمل 48 في المئة من سكانها حتى الأول من يناير الماضي. وبحلول الوقت الذي سيطبق فيه البرنامج بشكل كامل عام 2019 سيكون قد غطى سكان البلاد كلهم بكلفة تقدر بنحو 15 مليار دولار في العام أي نحو 60 دولاراً للمواطن الإندونيسي و15 في المئة من الميزانية المركزية للحكومة. ويختلف برنامج «التأمين الصحي الوطني» في إندونيسيا عن النهج الأميركي في الرعاية الصحية في أحد الجوانب المهمة وهو الاختيار. فالبرنامج الإندونيسي لايوجد به خيارات. ويراهن المنظمون هنا على أن اقتصار البرنامج على العناصر الأساسية سيلبي الطلب الشعبي تماماً. وقال «حسب الله طبراني» أستاذ سياسات الصحة في جامعة إندونيسيا في جاكرتا ومهندس برنامج الرعاية الصحية الشاملة في البلاد «هناك مزايا في طريقة جهة التمويل المفردة... نحن نريد تغطية وليس خيارات». ويعتقد العاملون في مجال الصحة أن برنامج التأمين الصحي الوطني أمامه طريق طويل حتى يجعل الخدمات الصحية أكثر توافراً. وقالت الطبيبة «ليس انجرياني» مديرة عيادة للصحة العامة في جاكرتا «مما لا شك فيه أن البرنامج سيساعد في تحسين الخدمات». وبعد ست سنوات من عملها كمديرة كان من دواعي سرورها أن التأمين الصحي الحكومي سيعني تناقصاً في أعداد الناس الذين ترفض استقبالهم في العيادة ممن لا يستطيعون دفع تكاليف العلاج. وعيادتها عبارة عن سفينة كبيرة تضم مجموعة أصغر من المكاتب تقع في شمال جاكرتا وهي منطقة يقطنها نحو 4.7 مليون نسمة. والعشوائيات في المنطقة تتكدس تحت جسور الطرق السريعة التي تصل إلى مطار جاكرتا الرئيسي وإلى المناطق الصناعية الرئيسية القريبة من الميناء. ويزور نحو 200 مريض أطباء العيادة الأربعة كل يوم. ويشير الأطباء إلى أن الأمراض تتغير هنا حيث يشكو الكثير من الناس من أمراض مزمنة وليس من الأمراض المعدية التي كان من المعتاد شيوعها من قبل. وهناك مخاوف بشأن كلفة البرنامج. فحكومة إندونيسيا ستدفع دولارين في الشهر لكل شخص لتوفير العلاج الطبي الضروري للفقراء. والمواطنون الأكثر ثراء سيتعين عليهم دفع خمسة في المئة من دخلهم الشهري للبرنامج ويستطيعون تحسين تغطية الرعاية الطبية بالتسجيل في تأمين خاص. لكن هناك خلافاً بشأن عدد الناس الذين من حقهم الحصول على تغطية طبية حكومية كاملة وبشأن عدد الأثرياء الذين يتعين عليهم المساهمة في تمويل البرنامج. فلم يعلن بعد عن حد معين للدخل. ويتوقع أن ما يزيد على الثلث فقط من المواطنين سيكون من حقهم الحصول على دعم حكومي كامل. ولخفض الكلفة وتوسيع نطاق الرعاية، تطلع الحكومة إلى اللجوء للتقدم التقني في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. فالعيادات الطبية النائية التي تفتقر للأطباء قد تحتاج إلى استشارات عبر الاتصالات الرقمية. ويزعم مسؤولو الحكومة أن قوتهم الشرائية ستقلص كلفة الأدوية رغم أن منتقدين يشيرون إلى فساد في البرنامج فيما يتعلق بالتعاقدات الحكومية. ويقول طبراني إن المستشفيات دأبت على المبالغة في حجم التعويضات لتصل إلى نحو 25 في المئة. لكن المشرعين يؤكدون أنه سيكون هناك مدققون يراقبون جميع أوجه الإنفاق. ولم تجر عملية تدشين برنامج التأمين الصحي الوطني بسلاسة. فالبرنامج به الكثير من الارتباك فيما يتعلق بالحاجة إلى التسجيل وكيف يمكن أن يحصل الأطباء على تعويض وما هي الأدوية المتاحة. ولا يحتاج كل مواطن للتسجيل، فالمدرجون بالفعل في التأمينات الحكومية لأنهم فقراء يدخلون البرنامج الجديد مباشرة. لكن مئات يتجمعون كل يوم في عيادة الطبيبة انجرياني رغبة في التسجيل حتى إذا لم يكن يتعين عليهم ذلك لتكتظ بهم غرفة الانتظار مما يمثل ضغطاً على الخدمات. ويتعين على نحو مليوني من سكان منطقة شمال جاكرتا أن يسجلوا بياناتهم في البرنامج. ويعترف طبراني أن العامين المقبلين سيكونان «وعرين» يتعلم فيهما الأطباء والمرضى القواعد. وأقر أيضاً بأن البرنامج تمويله ضعيف جداً. فأقساط التمويل تبدأ عند دولارين في الشهر وهو ثلث المبلغ الذي يجب دفعه. ومع تزايد ثروة الإندونيسيين، وارتفاع متوسط أعمارهم، فلا مفر من أن ترتفع بشدة كلفة الرعاية الصحية. ويؤكد طبراني على حاجة إندونيسيا للمزيد من المتخصصين في محال الطب. فمقارنة بماليزيا المجاورة، فإندونيسيا لديها خمس ما لدى ماليزيا من الأطباء لكل فرد. لكن من خلال خلق نظام لجهة تمويل واحدة للسكان البالغ عددهم 247 مليون نسمة فمن الممكن تحسين الرعاية وتوفير الأدوية غير المكلفة. جيفري هوتون ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"