لا تزال نتائج عدوان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في شبه جزيرة القرم لم تتضح بشكل كامل بعد، لكن الشيء الوحيد الواضح: أنه سيكون لديه قليل من الحلفاء المحليين، إذا ما حاول احتلال وفصل المناطق المتحدثة باللغة الروسية في أوكرانيا. وبدلاً من إثارة النعرات المؤيدة لروسيا، عززت تحركات بوتين العسكرية الوحدة الوطنية بين الأوكرانيين، ودفعت القادة الجدد في كييف إلى الاعتدال في أفعالهم وتحركاتهم. وعقب انهيار نظام فيكتور يانوكوفيتش مباشرة، هددت مجموعات من اللجان اليمينية المتطرفة الحكومات والبرلمانات المحلية في وسط وشرق أوكرانيا. وفي كييف، دفعت الغالبية المنتصرة في البرلمان عقب رحيل «يانوكوفيتش» من أجل تطبيق العدالة الثورية، التي تتضمن ليس فقط إطلاق سراح السجناء السياسيين مثل «يوليا تيموشينكو»، ولكن أيضاً سلسلة من النشطاء اليمينيين المتطرفين الذين تمت إدانتهم في اتهامات جنائية. وزاد البرلمان على هذه الخطوات بالتحرك نحو إلغاء تشريع كان يُنظر إليه في شرق وجنوب أوكرانيا على أنه يحمي وضع لغات الأقلية، بما في ذلك الروسية. وصبت كل هذه الإجراءات الثورية في صالح بوتين، إذ انتشرت الاحتجاجات المؤيدة لروسيا في المدن الشرقية مثل «لوهانسك» و«دونتسك» و«خاركيف» و«سيفاستوبول»، حيث سيطر المحتجون على المباني الحكومية هناك. وفاقم التليفزيون الروسي الذي يحظى بمتابعة كبيرة في شرق أوكرانيا من هذه الاتجاهات، حيث أثارت التقارير التليفزيونية التي تم بثها عن عصابات يمينية تقوم بأعمال عنف ضد الأقليات الروسية والمتحدثين باللغة الروسية في الشرق، الرعب بين السكان. وعلى رغم ذلك، عندما اتضح أن روسيا كانت ترسل آلاف المحتجين إلى أوكرانيا وتتدخل بصورة مباشرة في الصراع السياسي الداخلي للدولة المجاورة، بدأت الحكومة الانتقالية في تغيير مسارها، وبدأ الرأي العام يتغير. فبداية: أصبحت قيادة الحكومة الجديدة في يد سياسيين معتدلين مؤيدين لأوروبا، على رغم وجود سياسيين يمينيين فيها، وشملت في مناصبها الرئيسية أشخاصاً من أصول روسية وأرمن ويهود. وثانياً: تم الدفاع عن اللغة الروسية في المدن القومية في شرق أوكرانيا، وفي نهاية الشهر الماضي على سبيل المثال، استجاب سكان مدينة لفيف إلى دعوة عمدتها الإصلاحي المعتدل للتحدث على مدار يوم كامل باللغة الروسية فقط. ثالثاً: سرعان ما تحركت القيادة الجديدة في كييف من أجل تعيين قادة محليين يحظون باحترام كحكام في المناطق الشرقية والجنوبية. وقد كان لغزو بوتين لشبه جزيرة القرم التأثير المأساوي الأكبر على السكان والنخب السياسية في أوكرانيا. ومنذ الغزو، تراجعت التظاهرات المؤيدة للفيدرالية أو نقل السلطة أو الاتحاد مع روسيا، التي لم تكن تحظى بمشاركة واسعة في الأساس. وفي حين أن كثير من المتظاهرين عدوانيون، لكن أعداد الجموع المؤيدة لروسيا لا تتجاوز المئات أو بأقصى تقدير بضعة آلاف. وخلال الأيام القليلة الماضية، كان من الواضح تماماً أن مظاهرات الجماعات المؤيدة لروسيا في دونتسك وخاركيف مدفوعة من قبل عملاء من روسيا، بعضهم كانوا تابعين لجهاز المخابرات الأجنبية الروسي وآخرون من جهاز الأمن الروسي، غير أن هذه الإجراءات التي تهدف إلى التلاعب أثارت غضب السكان المحليين. وتكشف نتائج استطلاعات الرأي التي صدرت الأسبوع الجاري أن نحو 60 في المئة من الشعب يوافق على برلمان وحكومة بعد إعادة تشكيلهما. وتوصل الاستطلاع نفسه، الذي أجري خلال الأيام الماضية إلى أن نحو 67 في المئة من الأوكرانيين يوافقون على الإجراءات التي اتخذها البرلمان بالإطاحة بيانوكوفتيش من السلطة، بينما عارض 19 في المئة فقط. وفي هذه الأثناء، يشهد النهج البراجماتي ازدهاراً في الوقت الراهن في أوكرانيا، إذ أعلن رئيس الوزراء بالإنابة أرسيني ياتسينيوك الذي كان في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، أن أوكرانيا ستدعم استفتاء يشرف عليه مراقبون دوليون في شبه جزيرة القرم إذا انسحبت العصابات المسلحة الروسية والمؤيدة لموسكو. وعلاوة على ذلك، تكشف استطلاعات الرأي في أنحاء أوكرانيا التي صدرت الأسبوع الماضي عن تأييد قوي لمرشحين معتدلين يؤيدون التسامح الثقافي العرقي وإجراء إصلاحات في السوق ودعم التكامل مع الاتحاد الأوروبي. ويبدو أن الأوكرانيين يبحثون عن عقول متفتحة ووجوه جديدة غير مألوفة. وأوضح استطلاع أجراه مركز الأبحاث الاجتماعية والتسويقية في أوكرانيا أن نحو 30 في المئة من الأوكرانيين لم يقرروا أو يعتزموا التصويت في الانتخابات الرئاسية المقررة في 25 مايو المقبل. وأكد استطلاع آخر أجراه المعهد الدولي لعلم الاجتماع أن هذه الشريحة تصل إلى 40 في المئة، ومن بين هؤلاء المتأهبين للترشح رجل الأعمال الملياردير بيترو بوروشينكو، من جنوب أوكرانيا، الذي أفاد مركز الأبحاث الاجتماعية والتسويقية أنه يحظى بتأييد 31 في المئة. وفي هذه الأثناء، لا يزال يانوكوفيتش يزعم أحقيته بحكم أوكرانيا، لكن بسبب أفعاله هو وبوتين، فإنهما يتحملان المسؤولية عن هذه النتائج. وقد ألهم غزو بوتين للأراضي الأوكرانية، الذي اقترن مع الكشف عن نمط الحياة البازخة التي يعيشها يانوكوفيتش وسوء إدارته الاقتصادية المدمرة، الوحدة بين الأوكرانيين، وهو ما قلص إمكانية إثارة موسكو حالة من الفوضى الداخلية في أوكرانيا. وقد منح بوتين الأوكرانيين أسباباً جديدة للتركيز على التعاون والتضامن والاعتدال والتفاهم المتبادل، الأمر الذي يعتبر بشير خير بظهور دولة أوروبية مستقرة وديمقراطية حديثة. ينشر بترتيب خاص مع «خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»