في خضم المواجهة الدائرة بين الغرب وروسيا والحديث المتواتر عن حرب باردة جديدة على خلفية الأزمة الأوكرانية الراهنة، يأتي الكتاب الذي نعرضه هنا بعنوان «حدود الشراكة: العلاقات الأميركية الروسية في القرن الحادي والعشرين» لمؤلفته أنجيلا ستيت، مديرة مركز الدراسات الروسية وأوروبا الشرقية بجامعة برينستون الأميركية، ليسلط الضوء على خبايا العلاقة الأميركية الروسية المتوترة، وأسرار التشنج المزمن، رغم المحاولات المستمرة لاحتواء الخلافات. هذا الاستعصاء المستحكم في العلاقات الروسية الأميركية تستعرضه الكاتبة، وتتعقب علاماته البارزة وإشاراته الكبرى، فبين قمة 2010 التي جمعت في واشنطن بين أوباما والرئيس الروسي وقتها ديمتري مدفيدف، وقمة أخرى في 2012 بين أومابا وبوتين في المكسيك على هامش اجتماع دول مجموعة العشرين، تبرز الطبيعة المتأرجحة للعلاقة الأميركية الروسية التي ورغم انتفاء الصراع الأيديولوجي الذي سادها خلال الحرب الباردة، لم تحقق النقلة النوعية المطلوبة. فخلافاً للقمة الأولى التي شهدت بعض الدفء في علاقات الجانبين، كانت القمة الثانية مثالا ساطعاً على التوتر. ذلك التوتر، تقول الكاتبة، لم يكن سمة مرحلية طبعت إدارة أوباما دون غيرها، بل كان معطى ثابتاً في العلاقات بين البلدين، والتي ما لم تتوقف عن التأرجح بين فترات وجيزة من التحسن وأخرى ممتدة من التشنج، وهي العلامة المميزة للعلاقات الأميركية الروسية منذ نهاية الحرب الباردة. فقد كان من التحديات المطروحة على السياسة الخارجية الأميركية بعد 1991 التأسيس لانطلاقة سليمة في العلاقة مع روسيا، لكن هذه الانطلاقة ظلت سراباً بعيد المنال، ففترات الحوار والتفاؤل سرعان ما تعقبها حالات الجمود والمرارة. وقد بادر كل من كلينتون وبوش الابن إلى تحسين العلاقة مع روسيا، فقط ليدرك كل منهما في نهاية ولايته الرئاسية بأن العلاقة ساءت أكثر. وقد مرت العلاقة الأميركية الروسية بأربع محاولات للتحسين، أولاها في ختام إدارة بوش الأب الذي سعى إلى فتح صفحة جديدة مع روسيا الخارجة لتوها من عباءة الاتحاد السوفييتي، ثم أعقبتها محاولة كلينتون الأكثر زخماً عندما سعى إلى رسم ملامح جديدة للعلاقة بين البلدين وإعطائها دفعة غير مسبوقة، وجاءت المحاولة الثالثة على يد بوتين نفسه الذي اتصل ببوش بعيد هجمات 11 سبتمبر، معبراً عن تعاطفه وعارضاً مساعدته في محاربة الإرهاب، وأخيراً كان الجهد الذي بذله أوباما لتطوير صلاته ببوتين وإطلاق شراكة مميزة مع روسيا حتى بعد الحرب القصيرة التي خاضتها روسيا ضد جارتها جورجيا عام 2008. بيد أن الإخفاقات المتتالية تجعل البحث عن الأسباب والدوافع أمراً محورياً، فلماذا هذا الاستعصاء المزمن في تحسين العلاقات بين البلدين منذ انهيار الاتحاد السوفييتي؟ هنا تطرح الكاتبة فكرة المرارة التي لم تفارق روسيا قط بعد انهيار المعسكر الشرقي، حيث تضاءلت قوتها وتراجع نفوذها، وهو أمر لم تستوعبه حتى الآن، ولعل ما عمق من هذا الشعور التغير الواضح في رؤية واشنطن التي لم تعد تنظر إلى غريمتها القديمة بصفتها تلك، بل اختفى الخوف أو الرهبة التي كان يحدثها الاتحاد السوفييتي في نفوس الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة؛ لذا فمنذ بزوغ روسيا كوريثة شرعية للاتحاد السوفييتي في عام 1992 وهي تحاول جاهدة الانبعاث من جديد واستعادة مكانتها كقوة عالمية وكند للولايات المتحدة. وحتى خلال فترات الانفتاح الأميركية والمحاولات الدؤوبة لتطوير العلاقات بين البلدين، كانت أميركا تمد يدها من منطق الشريك الأقوى، وهو ما رفضته موسكو التي لم تكن لتقبل بأقل من شراكة متكافئة مع واشنطن، لاسيما في ظل التحولات التي شهدتها روسيا خلال السنوات الأخيرة. فمنذ وصول بوتين إلى السلطة عام 2000 تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لروسيا سبع مرات، علاوة على احتياطي مالي كبير يقدر بحوالي 500 مليار دولار، ناهيك عن مداخل سنوية تبلغ 350 مليار دولار من النفط والغاز الطبيعي. ومع أنها ما زالت تعاني تحديات مرتبطة بالنمو الاقتصادي والابتكار والنمو السكاني وغيرها، فإن الفرق شاسع بين وضعها في التسعينيات وحالتها اليوم. لكن التدهور الحاصل في العلاقات لا يعود فقط إلى أسباب جيوسياسية، بل أيضاً إلى الاختلاف الجوهري في منظومة القيم وإلى التصورات المتناقضة حول الأهداف والوسائل المناسبة لتحقيقها. فرغم اختفاء الشيوعية وتراجع المبادئ الماركسية واعتناق روسيا اقتصاد السوق.. ما زالت روسيا تنظر إلى نفسها كحامية للقيم المحافظة الُمجسدة في حماية الوضع العالمي الراهن والحرص على سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، فيما تعتنق الولايات المتحدة مبدأ التدخل الإنساني والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.. ما يدفع علاقاتهما دائماً، رغم المحاولات المتكررة لتطويرها، نحو طريق مسدود ينعكس سلباً على قضايا عالمية سواء في سوريا أو أوكرانيا. زهير الكساب الكتاب: حدود الشراكة.. العلاقات الأميركية الروسية في القرن الحادي والعشرين المؤلفة: أنجيلا ستيت الناشر: جامعة برينستون تاريخ النشر: 2014